A Mughal façade with a corner tower and a carved half-dome
Delhi

الرئيسية / al-Mirqāt

al-Mirqāt · article 3 of 8

المِرْقاة

المَدْرَسَةُ الخَيْرآبادِيَّة

كانَ «الخَيْرآبادِيُّونَ» أُسْرَةً مِنَ العُلَماءِ وتَلامِيذَهُم، جَعَلُوا المَنْطِقَ والفَلْسَفَةَ (المَعْقُولاتِ) تَخَصُّصَهُمْ مُنْذُ فَضْلِ إِمامٍ فَما بَعْدَه. وتَتْبَعُ هٰذِهِ المَقالَةُ المَدْرَسَةَ عَبْرَ ثَلاثَةِ أَجْيالٍ مِنَ الأُسْرَةِ وإِلَى القَرْنِ العِشْرِين.

1مِنْ أَيْنَ جاءَتِ المَدْرَسَة

كانَ والفَلْسَفَةُ يُدَرَّسانِ فِي شَمالِ الهِنْدِ فِي القَرْنِ الثّامِنَ عَشَرَ المِيلادِيِّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ عُلَماءِ فَرَنْگِي مَحَلّ فِي لَكْناو، أُسْرَةِ مُلّا نِظامِ الدِّينِ (ت. 1748م) الَّذِي سُمِّيَ بِاسْمِهِ المَنْهَجُ المَدْرَسِيُّ «الدَّرْسُ النِّظامِيّ»، وفِي مَراكِزَ أَصْغَرَ فِي أَوَدْه مِثْلِ سَنْدِيلَةَ وكُوبامَو وخَيْرآباد. ويُلاحِظُ فْرانْسِيس رُوبِنْسُن (Francis Robinson) أَنَّ الدَّرْسَ النِّظامِيَّ يَدِينُ بِجُزْءٍ مِنْ نَجاحِهِ لِعِنايَتِهِ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّة.

ويَصِفُ أَسَد ق. أَحْمَد (Asad Q. Ahmed) التَّقْلِيدَ الخَيْرآبادِيَّ بِأَنَّهُ «فَرْعٌ مِنْ فَرَنْگِي مَحَلّ». وحَلْقَةُ الوَصْلِ فِيهِ المُفْتِي عَبْدُ الواجِدِ الخَيْرآبادِيُّ (ت. 1216هـ/1802م)، ابْنُ أُخْتِ مُحَمَّد أَعْلَمَ السَّنْدِيلَوِيِّ وتِلْمِيذُه، وكانَ مُحَمَّد أَعْلَمُ قَدْ دَرَسَ عَلَى شُيُوخِ فَرَنْگِي مَحَلّ؛ ودَرَسَ عَبْدُ الواجِدِ أَيْضًا عَلَى عُلَماءَ مِنْ كُوبامَو وخَيْرآبادَ كانُوا فِي سِلْسِلَةِ القاضِي مُبارَك، أَهَمِّ شُرّاحِ «سُلَّمِ العُلُومِ» لِلْبِهارِيّ. وتِلْمِيذُهُ فَضْلِ إِمامٍ، صاحِبُ المِرْقاة، هُوَ «المَنْبَعُ» لِلسِّلْسِلَةِ الخَيْرآبادِيَّة.

ولَمْ يَكُنْ لِهٰذِهِ «المَدْرَسَةِ»، بِخِلافِ المَدْرَسَةِ بِمَعْناها المَعْرُوف، بِناءٌ واحِد. فَقَدْ كانَتْ سِلْسِلَةً مِنَ الشُّيُوخِ والتَّلامِيذ، تَجْمَعُها الأُسْرَةُ ورِعايَةُ الأُمَراءِ فِي دِهْلِي ورامْبُورَ وتُونْكَ وأَلْوَرَ وحَيْدَرآباد. ويُمَيِّزُ الكُتّابُ الأُرْدِيُّونَ بَيْنَ الأُسْرَةِ (خانْوادَهٔ خَيْرآباد) والدّائِرَةِ الأَوْسَعِ مِنْ تَلامِيذِها (مَدْرَسَهٔ خَيْرآباد).

2ثَلاثَةُ أَجْيال

دَرَّسَ فَضْلِ إِمامٍ (ت. 1243هـ/1828م أَوْ 1244هـ/1829م) فِي دِهْلِي وهُوَ يَخْدُمُ شَرِكَةَ الهِنْدِ الشَّرْقِيَّةِ صَدْرًا لِلصُّدُور. وصارَ ابْنُهُ فَضْلِ حَقّ (1797–1861م) أَشْهَرَ أَفْرادِ الأُسْرَة. فَبَعْدَ حَياةٍ عَمَلِيَّةٍ فِي دِهْلِي دَرَّسَ، بِحَسَبِ أَحْمَد، فِي أَلْوَرَ وسَهارَنْبُورَ وتُونْكَ بَيْنَ 1246هـ/1832م و1256هـ/1840م، ثُمَّ فِي رامْبُورَ مُؤَدِّبًا لِأَهْلِ بَيْتِ النَّوّاب، وخَرَّجَ فِي أَثْناءِ ذٰلِكَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ التَّلامِيذ.

ووَاصَلَ عَبْدُ الحَقِّ بْنُ فَضْلِ حَقّ (1828–1899م أَوْ 1900/1901م) السِّلْسِلَةَ فِي بَلاطاتِ رامْبُورَ وحَيْدَرآبادَ وتُونْك. وكَتَبَ أَوَّلَ شَرْحٍ عَلَى مِرْقاةِ جَدِّه، وحَواشِيَ عَلَى أَكْثَرِ كُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فِي المَنْهَج. وتَصِفُهُ «نُزْهَةُ الخَواطِرِ» بِأَنَّهُ إِمامٌ فِي المَنْطِقِ والحِكْمَةِ لا نَظِيرَ لَه، لٰكِنَّها تَذْكُرُ أَيْضًا ازْدِراءَهُ لِأَكْثَرِ العُلَماءِ الهُنُودِ الآخَرِين، إِذْ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ إِلّا قَلِيلًا مِثْلَ نِظامِ الدِّينِ وكَمالِ الدِّينِ الفَتْحْبُورِيِّ وبَحْرِ العُلُوم.

وعَنْ طَرِيقِ عَبْدِ الحَقِّ انْتَقَلَ التَّعْلِيمُ إِلَى تَلامِيذَ مِثْلِ بَرَكات أَحْمَد (ت. 1347هـ/1928م)، الَّذِي دَرَّسَ فِي تُونْك، والأَفْغانِيِّ عَبْدِ الحَقِّ الكابُلِيِّ (ت. 1321هـ/1903م)، وفَضْلِ حَقّ الرّامْبُورِيِّ (ت. 1358هـ/1939م)، الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ «كُتُبَ القُدَماءِ» ثُمَّ تَوَلَّى رِئاسَةَ المَدْرَسَةِ العالِيَةِ فِي رامْبُور. ويُلاحِظُ أَحْمَدُ أَنَّ تُونْكَ كانَتْ قَدْ صارَتْ يَوْمَئِذٍ مَرْكَزًا مُهِمًّا لِلْعُلُومِ العَقْلِيَّة، وأَنَّ رامْبُورَ بَقِيَتْ وَفِيَّةً لِلْإِرْثِ الخَيْرآبادِيّ.

The Taj Mahal seen through a dark gateway arch
Taj Mahal, Agra

3ماذا دَرَسَ الخَيْرآبادِيُّون

اشْتَغَلَ الخَيْرآبادِيُّونَ بِالكُتُبِ نَفْسِها الَّتِي يَضُمُّها سائِرُ مَنْهَجِ الهِنْدِيّ: «الشَّمْسِيَّةِ» و«التَّهْذِيبِ» بِشُرُوحِهِما، ورِسالَةِ قُطْبِ الدِّينِ الرّازِيِّ فِي بِحاشِيَةِ مِير زاهِد، وقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ «سُلَّمِ العُلُوم». ويُبَيِّنُ أَحْمَدُ أَنَّ الشُّرُوحَ عَلَى شَرْحِ القاضِي مُبارَكٍ عَلَى «السُّلَّمِ» كُتِبَتْ فِي هٰذِهِ الحِقْبَةِ أَساسًا فِي دائِرَتَيْن: الفَرَنْگِي مَحَلِّيِّينَ فِي لَكْناو، والخَيْرآبادِيِّينَ فِي رامْبُور، وأَنَّ الخَيْرآبادِيِّينَ، وكانَ شُيُوخُهُمْ فِي سِلْسِلَةِ مُبارَكٍ الفِكْرِيَّةِ نَفْسِها، كانُوا أَشَدَّ عِنايَةً بِه.

وكانَتْ عَلامَتُهُمُ «الأُفُقَ المُبِينَ» لِمِير داماد، وهُوَ كِتابٌ عَسِيرٌ لِلْفَيْلَسُوفِ الصَّفَوِيِّ كانَ قَدْ أَثَّرَ فِي شَرْحِ مُبارَك. يَكْتُبُ أَحْمَد: «بَدْءًا بِفَضْلِ إِمامٍ ضَمَّ التَّقْلِيدُ عُلَماءَ دَرَّسُوا الأُفُقَ وكَتَبُوا عَلَيْهِ أَحْيانًا شَرْحًا»: فَمِنَ الشُّرُوحِ الهِنْدِيَّةِ الأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ العَصْرِ الحَدِيثِ ثَلاثَةٌ لِفَضْلِ إِمامٍ وفَضْلِ حَقّ وعَبْدِ الحَقّ. ولا يَزالُ كِتابُ فَضْلِ حَقّ «الهَدِيَّةُ السَّعِيدِيَّة»، فِي الحِكْمَةِ الطَّبِيعِيَّة، مَذْكُورًا بَيْنَ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ فِي الدَّرْسِ النِّظامِيّ.

ويَزِيدُ جَمال مالِك (Jamal Malik) أَنَّ الخَيْرآبادِيِّينَ، كالفَرَنْگِي مَحَلِّيِّين، جَمَعُوا بَيْنَ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ والمَذْهَبِ الصُّوفِيِّ فِي وَحْدَةِ الوُجُود، وابْتَعَدُوا عَنِ الخَطِّ الإِصْلاحِيِّ لِذُرِّيَّةِ الشّاهِ وَلِيِّ اللّٰهِ فِي دِهْلِي.

4المُنازَعاتُ وأَحْداثُ 1857م

كانَ أَشْهَرُ أَدْوارِ الأُسْرَةِ العامَّةِ فِي المُنازَعات. فَقَدْ كَتَبَ فَضْلِ حَقّ رَسائِلَ عِدَّةً فِي الرَّدِّ عَلَى الشّاهِ مُحَمَّد إِسْماعِيلَ الدِّهْلَوِيِّ فِي مَسْأَلَةِ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَ اللّٰهُ كائِنًا آخَرَ مُساوِيًا لِلنَّبِيّ؛ وتَقُولُ TDV إِنَّ النِّزاعَ شَمِلَ الإِمْبِراطُورَ المُغُولِيَّ والشّاعِرَ غالِب، وتَنْقُلُ «نُزْهَةُ الخَواطِرِ» انْتِقادَ النَّوّابِ صِدِّيق حَسَن خان لِفَضْلِ حَقّ فِي ذٰلِك.

وبَعْدَ ثَوْرَةِ 1857م أَدانَ البَرِيطانِيُّونَ فَضْلِ حَقّ ونَفَوْهُ إِلَى جُزُرِ أَنْدَمان، حَيْثُ ماتَ سَنَةَ 1861م. ومَدَى مُشارَكَتِهِ فِي الثَّوْرَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (انْظُرْ تَرْجَمَتَه). وجَعَلَتْهُ كِتاباتُهُ فِي السِّجْنِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ بَطَلًا مِنْ أَبْطالِ النِّضالِ ضِدَّ الحُكْمِ البَرِيطانِيّ، ويُلاحِظُ مالِك أَنَّ العُلَماءَ البَرِيلَوِيِّينَ أَعادُوا نَشْرَ كُتُبِهِ وعَدُّوهُ مِنْ أَسْلافِهِم، وأَنَّ مُؤَرِّخِينَ دِيُوبَنْدِيِّينَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ أَيْضًا.

5المَدْرَسَةُ فِي القَرْنِ العِشْرِين

كانَ آخِرُ حَدَثٍ عامٍّ كَبِيرٍ لِلْمَدْرَسَةِ مُناظَرَةَ رامْبُورَ فِي 17 تَمُّوز/يُولْيُو 1916م، الَّتِي دَرَسَها أَحْمَدُ بِالتَّفْصِيل. فَقَدْ دافَعَ بَرَكات أَحْمَد، تِلْمِيذُ عَبْدِ الحَقّ، عَنْ آراءِ شَيْخِهِ الرّاحِلِ فِي حاشِيَتِهِ عَلَى رِسالَةِ مِير زاهِد، فِي مُواجَهَةِ عَبْدِ الوَهّابِ البِهارِيّ، بِحُضُورِ العُلَماءِ فِي بَلاطِ نَوّابِ رامْبُور. ويَتَحَدَّى أَحَدُ التَّقارِيرِ الخَيْرآبادِيِّينَ أَنْ يُجِيبُوا أَيْضًا عَنِ اعْتِراضٍ عَلَى شَرْحِ عَبْدِ الحَقِّ عَلَى المِرْقاة. وتَلَتْ ذٰلِكَ رُدُودٌ ورُدُودٌ مُضادَّةٌ مَطْبُوعَة، نُشِرَ أَحَدُها فِي كَلْكُتّا.

واليَوْمَ تَنْتَسِبُ جَماعاتٌ عِدَّةٌ إِلَى الخَيْرآبادِيِّين. والعُلَماءُ والنّاشِرُونَ البَرِيلَوِيُّونَ يُقَدِّمُونَ الأُسْرَةَ عَلَى أَنَّها مِنْهُم: فَـ«مَعْهَدُ الخَيْرآبادِيّ» (Khairabadi Institute) يَعُدُّ مُدَرِّسِينَ بَنْجابِيِّينَ مُتَأَخِّرِينَ لِلْعُلُومِ العَقْلِيَّة، كَيار مُحَمَّد البَنْدْيالَوِيّ، مِنَ الخَيْرآبادِيِّين، وتَنْقُلُ حَواشِي طَبْعَةِ كَراتْشِي البَرِيلَوِيَّةِ لِلْمِرْقاةِ (2015م) عَنْ عَطا مُحَمَّد البَنْدْيالَوِيّ، أَحَدِ شُيُوخِ المُحَشِّي عَبْدِ الحَكِيمِ شَرَف القادِرِيّ. أَمّا المِرْقاةُ نَفْسُها فَتُقْرَأُ فِي المَدارِسِ الدِّيُوبَنْدِيَّةِ والبَرِيلَوِيَّةِ عَلَى السَّواء.

Sources (10)

  1. Asad Q. Ahmed, Palimpsests of Themselves: Logic and Commentary in Postclassical Muslim South Asia (University of California Press, 2022), 27–38, 71–72, 91–94
  2. Francis Robinson, ‘Ottomans–Safavids–Mughals: Shared Knowledge and Connective Systems’
  3. ʿAbd al-Ḥayy al-Ḥasanī, Nuzhat al-khawāṭir: entries on Faḍl Ḥaqq al-Khayrābādī, ʿAbd al-Ḥaqq al-Khayrābādī and Faḍl Ḥaqq al-Rāmpūrī (tarājim.com)
  4. ʿAbd al-Ḥayy al-Ḥasanī, Nuzhat al-khawāṭir: entry ‘Mawlānā Faḍl Ḥaqq al-Rāmpūrī’ (tarājim.com)
  5. A. S. Bazmee Ansari, ‘Fazl-ı Hak Hayrâbâdî’, TDV İslâm Ansiklopedisi 12 (1995), 273
  6. Jamal Malik, ‘Letters, prison sketches and autobiographical literature: the case of Fadl-e-Haqq Khairabadi in the Andaman Penal Colony’, IESHR 43/1 (2006)
  7. Farooq Amir et al., ‘Khayrābādī khāndān kī ʿilmī o taṣnīfī khidmāt’ (Urdu), Al-Qamar 6/1 (2023)
  8. Khairabadi Institute, ‘The Origin of the Khairabadis’
  9. Zubair Zafar Khan, ‘How far Dars-e-Nizami is Attuned to the Modern Era: Some Observation’ (book list of the Deobandi version)
  10. al-Mirqāt, with al-Ḥāshiya al-mufīda (Karachi: Maktabat al-Madīna, 2015)