النَّصّ فَضْلِ إِمامٍ الخَيْرآبادِيّ
الحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي أَبْدَعَ الأَفْلاكَ وَالأَرَضِينَ، وَالصَّلاةُ عَلَى مَنْ كانَ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الماءِ وَالطِّينِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ أَجْمَعِينَ.
وَبَعْدُ: فَهٰذِهِ عِدَّةُ فُصُولٍ فِي عِلْمِ المِيزانِ لا بُدَّ مِنْ حِفْظِها وَ ضَبْطِها لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ مِنْ أُولِي الأَذْهانِ، وَعَلَى اللهِ التَّوَكُّلُ وَهُوَ المُسْتَعانُ.
المِرْقاة · ص 2
مُقَدِّمَةٌ
اِعْلَمْ أَنَّ العِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى مَعانٍ: أَحَدُها حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي العَقْلِ، ثانِيها الصُّورَةُ الحاصِلَةُ مِنَ الشَّيْءِ عِنْدَ العَقْلِ، ثالِثُها الحاضِرُ عِنْدَ المُدْرِكِ، رابِعُها قَبُولُ النَّفْسِ لِتِلْكَ الصُّورَةِ، خامِسُها الإِضافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ العالِمِ وَالمَعْلُومِ. وَيَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُما يُقالُ لَهُ التَّصَوُّرُ، وَثانِيهِما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّصْدِيقِ. أَمّا التَّصَوُّرُ فَهُوَ الإِدْراكُ الخالِي عَنِ الحُكْمِ، وَالمُرادُ بِالحُكْمِ نِسْبَةُ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ إِيجابًا أَوْ سَلْبًا، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِيقاعًا أَوِ انْتِزاعًا، وَقَدْ يُفَسَّرُ الحُكْمُ بِوُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لا وُقُوعِها؛ كَما إِذا تَصَوَّرْتَ زَيْدًا وَحْدَهُ أَوْ قائِمًا وَحْدَهُ مِنْ دُونِ أَنْ تُثْبِتَ القِيامَ لِزَيْدٍ أَوْ تَسْلُبَهُ عَنْهُ. أَمّا التَّصْدِيقُ فَهُوَ عَلَى قَوْلِ الحُكَماءِ عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ المُقارِنِ لِلتَّصَوُّراتِ، فَالتَّصَوُّراتُ الثَّلاثَةُ شَرْطٌ لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ، وَمِنْ ثَمَّ لا يُوجَدُ تَصْدِيقٌ بِلا تَصَوُّرٍ. وَالإِمامُ الرّازِيُّ يَقُولُ: إِنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الحُكْمِ وَتَصَوُّراتِ الأَطْرافِ؛ فَإِذا قُلْتَ: «زَيْدٌ قائِمٌ» وَأَذْعَنْتَ بِقِيامِ زَيْدٍ تَحْصُلُ لَكَ عُلُومٌ ثَلاثَةٌ: أَحَدُها عِلْمُ زَيْدٍ، وَثانِيها إِدْراكُ مَعْنَى قائِمٍ، وَثالِثُها عِلْمُ المَعْنَى الرّابِطِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الفارِسِيَّةِ بِـ«هَسْت» فِي الإِيجابِ وَ«نِيسْت» فِي السَّلْبِ، وَ«ہے» وَ«نہیں» فِي الهِنْدِيَّةِ، وَيُقالُ لِهٰذا المَعْنَى الحُكْمُ تارَةً وَالنِّسْبَةُ الحُكْمِيَّةُ أُخْرَى. فَإِذا أَتْقَنْتَ ما عَلَّمْناكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الحَكِيمَ يَزْعُمُ أَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ إِلّا إِدْراكَ المَعْنَى الرّابِطِيِّ، وَالإِمامَ يَزْعُمُ أَنَّ التَّصْدِيقَ مَجْمُوعُ الإِدْراكاتِ الثَّلاثَةِ، أَعْنِي تَصَوُّرَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ وَتَصَوُّرَ المَحْكُومِ بِهِ وَإِدْراكَ النِّسْبَةِ الحُكْمِيَّةِ المُسَمَّى بِالحُكْمِ.
المِرْقاة · ص 3
فَصْلٌ
التَّصَوُّرُ قِسْمانِ: أَحَدُهُما بَدِيهِيٌّ، أَيْ حاصِلٌ بِلا نَظَرٍ وَكَسْبٍ، كَتَصَوُّرِنا الحَرارَةَ وَالبُرُودَةَ، وَيُقالُ لَهُ الضَّرُورِيُّ أَيْضًا؛ وَثانِيهِما نَظَرِيٌّ، أَيْ يَحْتاجُ فِي حُصُولِهِ إِلَى الفِكْرِ وَالنَّظَرِ، كَتَصَوُّرِنا الجِنَّ وَالمَلائِكَةَ، فَإِنّا مُحْتاجُونَ فِي أَمْثالِ هٰذِهِ التَّصَوُّراتِ إِلَى تَجَشُّمِ فِكْرٍ وَتَرْتِيبِ نَظَرٍ، وَيُقالُ لَهُ الكَسْبِيُّ أَيْضًا. وَالتَّصْدِيقُ أَيْضًا قِسْمانِ: أَحَدُهُما البَدِيهِيُّ، أَيِ الحاصِلُ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَكَسْبٍ، وَثانِيهِما النَّظَرِيُّ المُفْتَقِرُ إِلَيْهِ؛ مِثالُ الأَوَّلِ: «الكُلُّ أَعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ» وَ«الاِثْنانِ نِصْفُ الأَرْبَعَةِ»، وَمِثالُ الثّانِي: «العالَمُ حادِثٌ» وَ«الصّانِعُ مَوْجُودٌ»، وَنَحْوُ ذٰلِكَ.
المِرْقاة · ص 4
فائِدَةٌ
وَإِذا عَلِمْتَ ما ذَكَرْنا أَنَّ النَّظَرِيّاتِ مُطْلَقًا تَصَوُّرِيًّا كانَتْ أَوْ تَصْدِيقِيًّا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نَظَرٍ وَفِكْرٍ، فَلا بُدَّ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ مَعْنَى النَّظَرِ، فَأَقُولُ: النَّظَرُ فِي اصْطِلاحِهِمْ عِبارَةٌ عَنْ تَرْتِيبِ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِيَتَأَدَّى ذٰلِكَ التَّرْتِيبُ إِلَى تَحْصِيلِ المَجْهُولِ؛ إِذا رَتَّبْتَ المَعْلُوماتِ الحاصِلَةَ لَكَ مِنْ تَغَيُّرِ العالَمِ وَحُدُوثِ كُلِّ مُتَغَيِّرٍ، وَتَقُولُ: «العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ»، فَحَصَلَ لَكَ مِنْ هٰذا النَّظَرِ وَالتَّرْتِيبِ عِلْمُ قَضِيَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ حاصِلًا لَكَ قَبْلُ، وَهِيَ «العالَمُ حادِثٌ».
المِرْقاة · ص 5
فَصْلٌ
إِيّاكَ وَأَنْ تَظُنَّ أَنَّ كُلَّ تَرْتِيبٍ يَكُونُ صَوابًا مُوصِلًا إِلَى عِلْمٍ صَحِيحٍ، كَيْفَ وَلَوْ كانَ الأَمْرُ كَذٰلِكَ لَما وَقَعَ الاِخْتِلافُ وَالتَّناقُضُ بَيْنَ أَرْبابِ النَّظَرِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ؛ فَمِنْ قائِلٍ يَقُولُ: «العالَمُ حادِثٌ» وَيَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: «العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، فَالعالَمُ حادِثٌ»، وَمِنْ زاعِمٍ يَزْعُمُ أَنَّ العالَمَ قَدِيمٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِالعَدَمِ، وَيُبَرْهِنُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «العالَمُ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُؤَثِّرِ، وَكُلُّ ما هٰذا شَأْنُهُ فَهُوَ قَدِيمٌ». وَلا أَظُنُّكَ شاكًّا فِي أَنَّ أَحَدَ الفِكْرَيْنِ صَحِيحٌ حَقٌّ وَالآخَرَ فاسِدٌ غَلَطٌ، وَإِذا كانَ قَدْ وَقَعَ الغَلَطُ فِي فِكْرِ العُقَلاءِ فَعُلِمَ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّ الفِطْرَةَ الإِنْسانِيَّةَ غَيْرُ كافِيَةٍ فِي تَمْيِيزِ الخَطَإِ مِنَ الصَّوابِ وَامْتِيازِ القِشْرِ عَنِ اللُّبابِ، فَجاءَتِ الحاجَةُ فِي ذٰلِكَ إِلَى قانُونٍ عاصِمٍ عَنِ الخَطَإِ فِي الفِكْرِ، يُبَيَّنُ فِيهِ طُرُقُ اكْتِسابِ المَجْهُولاتِ عَنِ المَعْلُوماتِ، وَهٰذا القانُونُ هُوَ المَنْطِقُ وَالمِيزانُ. أَمّا تَسْمِيَتُهُ بِالمَنْطِقِ فَلِتَأْثِيرِهِ فِي النُّطْقِ الظّاهِرِيِّ، أَعْنِي التَّكَلُّمَ؛ إِذِ العارِفُ بِهِ يَقْوَى عَلَى التَّكَلُّمِ ما لا يَقْوَى عَلَيْهِ الجاهِلُ، وَكَذا فِي النُّطْقِ الباطِنِيِّ، أَعْنِي الإِدْراكَ؛ لِأَنَّ المَنْطِقِيَّ يَعْرِفُ حَقائِقَ الأَشْياءِ، وَيَعْلَمُ أَجْناسَها وَفُصُولَها وَأَنْواعَها وَلَوازِمَها وَخَواصَّها، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْ هٰذا العِلْمِ الشَّرِيفِ. وَأَمّا تَسْمِيَتُهُ بِالمِيزانِ فَلِأَنَّهُ قِسْطاسٌ لِلْعَقْلِ، يُوزَنُ بِهِ الأَفْكارُ الصَّحِيحَةُ، وَيُعْرَفُ بِهِ نُقْصانُ ما فِي الأَفْكارِ الفاسِدَةِ وَاخْتِلالُ ما فِي الأَنْظارِ الكاسِدَةِ. وَمِنْ ثَمَّ يُقالُ لَهُ العِلْمُ الآلِيُّ؛ لِكَوْنِهِ آلَةً لِجَمِيعِ العُلُومِ، لا سِيَّما لِلْعُلُومِ الحِكْمِيَّةِ.
المِرْقاة · ص 5