الرئيسية / المَتْن / المِرْقاة

المِرْقاة فَضْلِ إِمامٍ الخَيْرآبادِيّ

About this text

al-Mirqāt المِرْقاة

Faḍl-i Imām Khayrābādī (d. 1243 or 1244/1828–29)

Text
Arabic: al-Mirqāt, with al-Shīrkūtī's gloss al-Mirʾāt (gloss not reproduced), checked against the Delhi print of 1286/1869 (Sayyid al-Maṭābiʿ); vowel marks added by The Mantiqi (draft), Kutub Khāna Iʿzāziyya, Deoband after 1336/1917 View the scan
Translation
The Mantiqi's own; a draft.
Review
Draft, awaiting review by Ustadh Muhammad Yusuf.
مسوّدة · الترجمة بانتظار المراجعة

المُقَدِّمَةُ (al-muqaddima)

المُقَدِّمَةُ

الدَّرْسُ 1 · الافْتِتاحُ: العِلْمُ وَالتَّصَوُّرُ وَالتَّصْدِيقُ

الافْتِتاحُ: العِلْمُ وَالتَّصَوُّرُ وَالتَّصْدِيقُ
0

الحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي أَبْدَعَ الأَفْلاكَ وَالأَرَضِينَ، وَالصَّلاةُ عَلَى مَنْ كانَ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الماءِ وَالطِّينِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحابِهِ أَجْمَعِينَ. وَبَعْدُ: فَهٰذِهِ عِدَّةُ فُصُولٍ فِي عِلْمِ المِيزانِ لا بُدَّ مِنْ حِفْظِها وَ ضَبْطِها لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ مِنْ أُولِي الأَذْهانِ، وَعَلَى اللهِ التَّوَكُّلُ وَهُوَ المُسْتَعانُ.

· ص 2

مُقَدِّمَةٌ

1

اِعْلَمْ أَنَّ العِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى مَعانٍ: أَحَدُها حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي العَقْلِ، ثانِيها الصُّورَةُ الحاصِلَةُ مِنَ الشَّيْءِ عِنْدَ العَقْلِ، ثالِثُها الحاضِرُ عِنْدَ المُدْرِكِ، رابِعُها قَبُولُ النَّفْسِ لِتِلْكَ الصُّورَةِ، خامِسُها الإِضافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ العالِمِ وَالمَعْلُومِ. وَيَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُما يُقالُ لَهُ التَّصَوُّرُ، وَثانِيهِما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّصْدِيقِ. أَمّا التَّصَوُّرُ فَهُوَ الإِدْراكُ الخالِي عَنِ الحُكْمِ، وَالمُرادُ بِالحُكْمِ نِسْبَةُ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ إِيجابًا أَوْ سَلْبًا، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِيقاعًا أَوِ انْتِزاعًا، وَقَدْ يُفَسَّرُ الحُكْمُ بِوُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لا وُقُوعِها؛ كَما إِذا تَصَوَّرْتَ زَيْدًا وَحْدَهُ أَوْ قائِمًا وَحْدَهُ مِنْ دُونِ أَنْ تُثْبِتَ القِيامَ لِزَيْدٍ أَوْ تَسْلُبَهُ عَنْهُ. أَمّا التَّصْدِيقُ فَهُوَ عَلَى قَوْلِ الحُكَماءِ عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ المُقارِنِ لِلتَّصَوُّراتِ، فَالتَّصَوُّراتُ الثَّلاثَةُ شَرْطٌ لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ، وَمِنْ ثَمَّ لا يُوجَدُ تَصْدِيقٌ بِلا تَصَوُّرٍ. وَالإِمامُ الرّازِيُّ يَقُولُ: إِنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الحُكْمِ وَتَصَوُّراتِ الأَطْرافِ؛ فَإِذا قُلْتَ: «زَيْدٌ قائِمٌ» وَأَذْعَنْتَ بِقِيامِ زَيْدٍ تَحْصُلُ لَكَ عُلُومٌ ثَلاثَةٌ: أَحَدُها عِلْمُ زَيْدٍ، وَثانِيها إِدْراكُ مَعْنَى قائِمٍ، وَثالِثُها عِلْمُ المَعْنَى الرّابِطِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الفارِسِيَّةِ بِـ«هَسْت» فِي الإِيجابِ وَ«نِيسْت» فِي السَّلْبِ، وَ«ہے» وَ«نہیں» فِي الهِنْدِيَّةِ، وَيُقالُ لِهٰذا المَعْنَى الحُكْمُ تارَةً وَالنِّسْبَةُ الحُكْمِيَّةُ أُخْرَى. فَإِذا أَتْقَنْتَ ما عَلَّمْناكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الحَكِيمَ يَزْعُمُ أَنَّ التَّصْدِيقَ لَيْسَ إِلّا إِدْراكَ المَعْنَى الرّابِطِيِّ، وَالإِمامَ يَزْعُمُ أَنَّ التَّصْدِيقَ مَجْمُوعُ الإِدْراكاتِ الثَّلاثَةِ، أَعْنِي تَصَوُّرَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ وَتَصَوُّرَ المَحْكُومِ بِهِ وَإِدْراكَ النِّسْبَةِ الحُكْمِيَّةِ المُسَمَّى بِالحُكْمِ.

· ص 3

فَصْلٌ

2

التَّصَوُّرُ قِسْمانِ: أَحَدُهُما بَدِيهِيٌّ، أَيْ حاصِلٌ بِلا نَظَرٍ وَكَسْبٍ، كَتَصَوُّرِنا الحَرارَةَ وَالبُرُودَةَ، وَيُقالُ لَهُ الضَّرُورِيُّ أَيْضًا؛ وَثانِيهِما نَظَرِيٌّ، أَيْ يَحْتاجُ فِي حُصُولِهِ إِلَى الفِكْرِ وَالنَّظَرِ، كَتَصَوُّرِنا الجِنَّ وَالمَلائِكَةَ، فَإِنّا مُحْتاجُونَ فِي أَمْثالِ هٰذِهِ التَّصَوُّراتِ إِلَى تَجَشُّمِ فِكْرٍ وَتَرْتِيبِ نَظَرٍ، وَيُقالُ لَهُ الكَسْبِيُّ أَيْضًا. وَالتَّصْدِيقُ أَيْضًا قِسْمانِ: أَحَدُهُما البَدِيهِيُّ، أَيِ الحاصِلُ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَكَسْبٍ، وَثانِيهِما النَّظَرِيُّ المُفْتَقِرُ إِلَيْهِ؛ مِثالُ الأَوَّلِ: «الكُلُّ أَعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ» وَ«الاِثْنانِ نِصْفُ الأَرْبَعَةِ»، وَمِثالُ الثّانِي: «العالَمُ حادِثٌ» وَ«الصّانِعُ مَوْجُودٌ»، وَنَحْوُ ذٰلِكَ.

· ص 4

فائِدَةٌ

3

وَإِذا عَلِمْتَ ما ذَكَرْنا أَنَّ النَّظَرِيّاتِ مُطْلَقًا تَصَوُّرِيًّا كانَتْ أَوْ تَصْدِيقِيًّا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نَظَرٍ وَفِكْرٍ، فَلا بُدَّ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ مَعْنَى النَّظَرِ، فَأَقُولُ: النَّظَرُ فِي اصْطِلاحِهِمْ عِبارَةٌ عَنْ تَرْتِيبِ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِيَتَأَدَّى ذٰلِكَ التَّرْتِيبُ إِلَى تَحْصِيلِ المَجْهُولِ؛ إِذا رَتَّبْتَ المَعْلُوماتِ الحاصِلَةَ لَكَ مِنْ تَغَيُّرِ العالَمِ وَحُدُوثِ كُلِّ مُتَغَيِّرٍ، وَتَقُولُ: «العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ»، فَحَصَلَ لَكَ مِنْ هٰذا النَّظَرِ وَالتَّرْتِيبِ عِلْمُ قَضِيَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ حاصِلًا لَكَ قَبْلُ، وَهِيَ «العالَمُ حادِثٌ».

· ص 5

فَصْلٌ

4

إِيّاكَ وَأَنْ تَظُنَّ أَنَّ كُلَّ تَرْتِيبٍ يَكُونُ صَوابًا مُوصِلًا إِلَى عِلْمٍ صَحِيحٍ، كَيْفَ وَلَوْ كانَ الأَمْرُ كَذٰلِكَ لَما وَقَعَ الاِخْتِلافُ وَالتَّناقُضُ بَيْنَ أَرْبابِ النَّظَرِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ؛ فَمِنْ قائِلٍ يَقُولُ: «العالَمُ حادِثٌ» وَيَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: «العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، فَالعالَمُ حادِثٌ»، وَمِنْ زاعِمٍ يَزْعُمُ أَنَّ العالَمَ قَدِيمٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِالعَدَمِ، وَيُبَرْهِنُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «العالَمُ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُؤَثِّرِ، وَكُلُّ ما هٰذا شَأْنُهُ فَهُوَ قَدِيمٌ». وَلا أَظُنُّكَ شاكًّا فِي أَنَّ أَحَدَ الفِكْرَيْنِ صَحِيحٌ حَقٌّ وَالآخَرَ فاسِدٌ غَلَطٌ، وَإِذا كانَ قَدْ وَقَعَ الغَلَطُ فِي فِكْرِ العُقَلاءِ فَعُلِمَ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّ الفِطْرَةَ الإِنْسانِيَّةَ غَيْرُ كافِيَةٍ فِي تَمْيِيزِ الخَطَإِ مِنَ الصَّوابِ وَامْتِيازِ القِشْرِ عَنِ اللُّبابِ، فَجاءَتِ الحاجَةُ فِي ذٰلِكَ إِلَى قانُونٍ عاصِمٍ عَنِ الخَطَإِ فِي الفِكْرِ، يُبَيَّنُ فِيهِ طُرُقُ اكْتِسابِ المَجْهُولاتِ عَنِ المَعْلُوماتِ، وَهٰذا القانُونُ هُوَ المَنْطِقُ وَالمِيزانُ. أَمّا تَسْمِيَتُهُ بِالمَنْطِقِ فَلِتَأْثِيرِهِ فِي النُّطْقِ الظّاهِرِيِّ، أَعْنِي التَّكَلُّمَ؛ إِذِ العارِفُ بِهِ يَقْوَى عَلَى التَّكَلُّمِ ما لا يَقْوَى عَلَيْهِ الجاهِلُ، وَكَذا فِي النُّطْقِ الباطِنِيِّ، أَعْنِي الإِدْراكَ؛ لِأَنَّ المَنْطِقِيَّ يَعْرِفُ حَقائِقَ الأَشْياءِ، وَيَعْلَمُ أَجْناسَها وَفُصُولَها وَأَنْواعَها وَلَوازِمَها وَخَواصَّها، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْ هٰذا العِلْمِ الشَّرِيفِ. وَأَمّا تَسْمِيَتُهُ بِالمِيزانِ فَلِأَنَّهُ قِسْطاسٌ لِلْعَقْلِ، يُوزَنُ بِهِ الأَفْكارُ الصَّحِيحَةُ، وَيُعْرَفُ بِهِ نُقْصانُ ما فِي الأَفْكارِ الفاسِدَةِ وَاخْتِلالُ ما فِي الأَنْظارِ الكاسِدَةِ. وَمِنْ ثَمَّ يُقالُ لَهُ العِلْمُ الآلِيُّ؛ لِكَوْنِهِ آلَةً لِجَمِيعِ العُلُومِ، لا سِيَّما لِلْعُلُومِ الحِكْمِيَّةِ.

· ص 5

الدَّرْسُ 2 · المَنْطِقُ: مُدَوِّنُهُ وَحَدُّهُ وَمَوْضُوعُهُ وَغايَتُهُ

المَنْطِقُ: مُدَوِّنُهُ وَحَدُّهُ وَمَوْضُوعُهُ وَغايَتُهُ

فائِدَةٌ

5

اِعْلَمْ أَنَّ أَرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمَ مُدَوِّنُ هٰذا العِلْمِ بِأَمْرِ الإِسْكَنْدَرِ الرُّومِيِّ، وَلِهٰذا يُلَقَّبُ بِالمُعَلِّمِ الأَوَّلِ، وَالفارابِيُّ هَذَّبَ هٰذا الفَنَّ، وَهُوَ المُعَلِّمُ الثّانِي، وَبَعْدَ إِضاعَةِ كُتُبِ الفارابِيِّ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا.

· ص 7

فَصْلٌ

6

وَلَعَلَّكَ عَلِمْتَ مِمّا تَلَوْنا عَلَيْكَ فِي بَيانِ الحاجَةِ حَدَّ المَنْطِقِ وَتَعْرِيفَهُ مِنْ أَنَّهُ عِلْمٌ بِقَوانِينَ تَعْصِمُ مُراعاتُها الذِّهْنَ عَنِ الخَطَإِ فِي الفِكْرِ.

· ص 7

فَصْلٌ

7

مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ ما يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوارِضِهِ الذّاتِيَّةِ لَهُ، كَبَدَنِ الإِنْسانِ لِلطِّبِّ، وَالكَلِمَةِ وَالكَلامِ لِعِلْمِ النَّحْوِ؛ فَمَوْضُوعُ المَنْطِقِ المَعْلُوماتُ التَّصَوُّرِيَّةُ وَالتَّصْدِيقِيَّةُ، لٰكِنْ لا مُطْلَقًا، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّها مُوصِلَةٌ إِلَى المَجْهُولِ التَّصَوُّرِيِّ وَالتَّصْدِيقِيِّ.

· ص 7

فائِدَةٌ

8

اِعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عِلْمٍ وَصِناعَةٍ غايَةً، وَإِلّا لَكانَ طَلَبُهُ عَبَثًا وَالجِدُّ فِيهِ لَغْوًا، وَغايَةُ عِلْمِ المِيزانِ الإِصابَةُ فِي الفِكْرِ وَحِفْظُ الرَّأْيِ عَنِ الخَطَإِ فِي النَّظَرِ.

· ص 7

فَصْلٌ

9

لا شُغْلَ لِلْمَنْطِقِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَنْطِقِيٌّ بِبَحْثِ الأَلْفاظِ، كَيْفَ وَهٰذا البَحْثُ بِمَعْزِلٍ عَنْ غَرَضِهِ وَغايَتِهِ! مَعَ ذٰلِكَ فَلا بُدَّ مِنْ بَحْثِ الأَلْفاظِ الدّالَّةِ عَلَى المَعانِي؛ لِأَنَّ الإِفادَةَ وَالاِسْتِفادَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ، وَلِذٰلِكَ يَقَعُ بَحْثُ الدَّلالَةِ وَالأَلْفاظِ فِي كُتُبِ المَنْطِقِ.

· ص 8

التَّصَوُّراتُ (al-taṣawwurāt)

التَّصَوُّراتُ

الدَّرْسُ 3 · الدَّلالَةُ

الدَّلالَةُ

فَصْلٌ فِي الدَّلالَةِ

10

الدَّلالَةُ لُغَةً هُوَ الإِرْشادُ، وَفِي الاِصْطِلاحِ كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنَ العِلْمِ بِهِ العِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ. وَالدَّلالَةُ قِسْمانِ: لَفْظِيَّةٌ وَغَيْرُ لَفْظِيَّةٍ؛ وَاللَّفْظِيَّةُ ما يَكُونُ الدّالُّ فِيهِ اللَّفْظَ، وَغَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ ما لا يَكُونُ الدّالُّ فِيهِ اللَّفْظَ. وَكُلٌّ مِنْهُما عَلَى ثَلاثَةِ أَنْحاءٍ: أَحَدُها اللَّفْظِيَّةُ الوَضْعِيَّةُ، كَدَلالَةِ لَفْظِ «زَيْدٍ» عَلَى مُسَمّاهُ؛ وَثانِيها اللَّفْظِيَّةُ الطَّبْعِيَّةُ، كَدَلالَةِ لَفْظِ «أُحْ» بِضَمِّ الهَمْزَةِ وَسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِها، عَلَى وَجَعِ الصَّدْرِ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ تَضْطَرُّ بِإِحْداثِ هٰذا اللَّفْظِ عِنْدَ عُرُوضِ الوَجَعِ فِي الصَّدْرِ؛ وَثالِثُها اللَّفْظِيَّةُ العَقْلِيَّةُ، كَدَلالَةِ لَفْظِ «دَيْز» المَسْمُوعِ مِنْ وَراءِ الجِدارِ عَلَى وُجُودِ اللّافِظِ؛ وَرابِعُها غَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ الوَضْعِيَّةُ، كَدَلالَةِ الدَّوالِّ الأَرْبَعِ عَلَى مَدْلُولاتِها؛ وَخامِسُها غَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةُ، كَدَلالَةِ صَهِيلِ الفَرَسِ عَلَى طَلَبِ الماءِ وَالكَلَإِ؛ وَسادِسُها الغَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ العَقْلِيَّةُ، كَدَلالَةِ الدُّخانِ عَلَى النّارِ فَهٰذِهِ سِتُّ دَلالاتٍ، وَالمَنْطِقِيُّ إِنَّما يَبْحَثُ عَنِ الدَّلالَةِ اللَّفْظِيَّةِ الوَضْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الإِفادَةَ لِلْغَيْرِ وَالاِسْتِفادَةَ مِنَ الغَيْرِ إِنَّما يَتَيَسَّرُ بِها بِسُهُولَةٍ، بِخِلافِ غَيْرِها؛ فَإِنَّ الإِفادَةَ وَالاِسْتِفادَةَ بِها لا يَخْلُو عَنْ صُعُوبَةٍ.

· ص 8

فَصْلٌ

11

وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الدَّلالَةَ اللَّفْظِيَّةَ الوَضْعِيَّةَ الَّتِي لَها العِبْرَةُ فِي مُحاوَراتِ العُلُومِ عَلَى ثَلاثَةِ أَنْحاءٍ: أَحَدُها المُطابَقِيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى تَمامِ ما وُضِعَ ذٰلِكَ اللَّفْظُ لَهُ، كَدَلالَةِ الإِنْسانِ عَلَى مَجْمُوعِ الحَيَوانِ وَالنّاطِقِ؛ وَثانِيها التَّضَمُّنِيَّةُ، وَهِيَ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى جُزْءِ المَعْنَى المَوْضُوعِ لَهُ، كَدَلالَتِهِ عَلَى الحَيَوانِ فَقَطْ أَوْ عَلَى النّاطِقِ فَقَطْ؛ وَثالِثُها الدَّلالَةُ الاِلْتِزامِيَّةُ، وَهِيَ أَنْ لا يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى المَوْضُوعِ لَهُ وَلا عَلَى جُزْئِهِ، بَلْ عَلَى مَعْنًى خارِجٍ لازِمٍ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ، وَاللّازِمُ هُوَ ما يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنَ المَوْضُوعِ لَهُ إِلَيْهِ، كَدَلالَةِ الإِنْسانِ عَلَى قابِلِ العِلْمِ وَصَنْعَةِ الكِتابَةِ، وَكَدَلالَةِ لَفْظِ العَمَى عَلَى البَصَرِ.

· ص 9

فَصْلٌ

12

الدَّلالَةُ التَّضَمُّنِيَّةُ وَالاِلْتِزامِيَّةُ لا تُوجَدانِ بِدُونِ المُطابَقَةِ؛ وَذٰلِكَ لِأَنَّ الجُزْءَ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الكُلِّ، وَكَذا اللّازِمُ بِدُونِ المَلْزُومِ، وَالتّابِعُ لا يُوجَدُ بِدُونِ المَتْبُوعِ. وَالمُطابَقَةُ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِهِما؛ لِجَوازِ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِمَعْنًى بَسِيطٍ لا جُزْءَ لَهُ وَلا لازِمَ لَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُوجَدُ مَعْنًى لا لازِمَ لَهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ مَعْنًى لازِمًا البَتَّةَ، وَأَقَلُّهُ أَنْ «لَيْسَ غَيْرَهُ». قُلْنا: المُرادُ بِاللّازِمِ هُوَ اللّازِمُ البَيِّنُ الَّذِي يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنَ المَلْزُومِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُكَ «لَيْسَ غَيْرَهُ» لَيْسَ مِنَ اللَّوازِمِ البَيِّنَةِ؛ لِأَنّا كَثِيرًا ما نَتَصَوَّرُ المَعانِيَ وَلا يَخْطُرُ بِبالِنا مَعْنَى الغَيْرِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ «لَيْسَ غَيْرَهُ».

· ص 10

الدَّرْسُ 4 · اللَّفْظُ المُفْرَدُ وَأَقْسامُهُ

اللَّفْظُ المُفْرَدُ وَأَقْسامُهُ

فَصْلٌ

13

اللَّفْظُ الدّالُّ إِمّا مُفْرَدٌ وَإِمّا مُرَكَّبٌ؛ فَالمُفْرَدُ ما لا يُقْصَدُ بِجُزْئِهِ الدَّلالَةُ عَلَى جُزْءِ مَعْناهُ، كَدَلالَةِ هَمْزَةِ الاِسْتِفْهامِ عَلَى مَعْناهُ، وَدَلالَةِ «زَيْدٍ» عَلَى مُسَمّاهُ، وَدَلالَةِ «عَبْدِ اللهِ» عَلَى المَعْنَى العَلَمِيِّ؛ وَالمُرَكَّبُ ما يُقْصَدُ بِجُزْئِهِ الدَّلالَةُ عَلَى جُزْءِ مَعْناهُ، كَدَلالَةِ «زَيْدٌ قائِمٌ» عَلَى مَعْناهُ، وَدَلالَةِ «رامِي السَّهْمِ» عَلَى فَحْواهُ. ثُمَّ المُفْرَدُ عَلَى أَنْحاءٍ ثَلاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كانَ مَعْناهُ مُسْتَقِلًّا بِالمَفْهُومِيَّةِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي فَهْمِهِ مُحْتاجًا إِلَى ضَمِيمَةٍ فَهُوَ اسْمٌ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ ذٰلِكَ المَعْنَى بِزَمانٍ مِنَ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، وَكَلِمَةٌ إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ مُسْتَقِلًّا فَهُوَ أَداةٌ فِي عُرْفِ المِيزانِيِّينَ، وَحَرْفٌ فِي اصْطِلاحِ النَّحْوِيِّينَ، هٰذا.

· ص 10

فَصْلٌ

14

اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الكَلِمَةَ عِنْدَ أَهْلِ المِيزانِ هِيَ ما يُسَمَّى فِي عِلْمِ النَّحْوِ بِالفِعْلِ، وَلَيْسَ هٰذا الظَّنُّ بِصَوابٍ؛ فَإِنَّ الفِعْلَ أَعَمُّ مِنَ الكَلِمَةِ، أَلا تَرَى أَنَّ نَحْوَ «أَضْرِبُ» وَ«نَضْرِبُ» وَأَمْثالَهُ فِعْلٌ عِنْدَ النُّحاةِ، وَلَيْسَ بِكَلِمَةٍ عِنْدَ المَنْطِقِيِّينَ؛ لِأَنَّ الكَلِمَةَ مِنْ أَقْسامِ المُفْرَدِ، وَنَحْوُ «أَضْرِبُ» مَثَلًا لَيْسَ بِمُفْرَدٍ، بَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ؛ لِدَلالَةِ جُزْءِ اللَّفْظِ عَلَى جُزْءِ المَعْنَى، فَإِنَّ الهَمْزَةَ تَدُلُّ عَلَى المُتَكَلِّمِ، وَ«ضَرَبَ» عَلَى المَعْنَى الحَدَثِيِّ.

· ص 11

فَصْلٌ

15

قَدْ يُقَسَّمُ المُفْرَدُ بِتَقْسِيمٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ المُفْرَدَ إِمّا أَنْ يَكُونَ مَعْناهُ واحِدًا أَوْ يَكُونَ كَثِيرًا، وَالَّذِي لَهُ مَعْنًى واحِدٌ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ؛ لِأَنَّهُ لا يَخْلُو إِمّا أَنْ يَكُونَ ذٰلِكَ المَعْنَى مُتَعَيِّنًا مُتَشَخِّصًا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ وَالأَوَّلُ يُسَمَّى عَلَمًا، كَـ«زَيْدٍ» وَ«هٰذا» وَ«هُوَ»، وَالأَوْلَى أَنْ يُسَمَّى هٰذا القِسْمُ بِالجُزْئِيِّ الحَقِيقِيِّ؛ وَالثّانِي، أَيْ ما لا يَكُونُ مَعْناهُ الواحِدُ مُتَشَخِّصًا بَلْ يَكُونُ لَهُ أَفْرادٌ كَثِيرَةٌ، هُوَ ضَرْبانِ: أَحَدُهُما أَنْ يَكُونَ صِدْقُ ذٰلِكَ المَعْنَى عَلَى سائِرِ أَفْرادِهِ عَلَى سَبِيلِ الاِسْتِواءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَفاوَتَ بِأَوَّلِيَّةٍ أَوْ أَوْلَوِيَّةٍ أَوْ أَشَدِّيَّةٍ أَوْ أَزْيَدِيَّةٍ، وَيُسَمَّى هٰذا القِسْمُ بِالمُتَواطِئِ؛ لِتَواطُؤِ أَفْرادِهِ وَتَوافُقِها فِي تَصادُقِ ذٰلِكَ المَعْنَى العامِّ، كَالإِنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ؛ وَثانِيهِما أَنْ لا يَكُونَ صِدْقُ ذٰلِكَ المَعْنَى العامِّ فِي جَمِيعِ أَفْرادِهِ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِواءِ، بَلْ يَكُونُ صِدْقُ ذٰلِكَ المَعْنَى عَلَى بَعْضِ الأَفْرادِ بِالأَوَّلِيَّةِ أَوِ الأَشَدِّيَّةِ أَوِ الأَوْلَوِيَّةِ، وَصِدْقُها عَلَى البَعْضِ الآخَرِ بِأَضْدادِ ذٰلِكَ، كَالوُجُودِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الواجِبِ جَلَّ مَجْدُهُ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى المُمْكِنِ، وَكَالبَياضِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلْجِ وَالعاجِ، وَيُسَمَّى هٰذا القِسْمُ مُشَكِّكًا؛ لِأَنَّهُ يُوقِعُ النّاظِرَ فِي الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ مُتَواطِئًا أَوْ مُشْتَرَكًا.

· ص 11

فَصْلٌ

16

لِلْمُتَكَثِّرِ المَعْنَى لَهُ أَقْسامٌ عَدِيدَةٌ، وَجْهُ الحَصْرِ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي كَثُرَ مَعْناهُ إِنْ وُضِعَ ذٰلِكَ اللَّفْظُ لِكُلِّ مَعْنًى ابْتِداءً بِأَوْضاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى حِدَةٍ يُسَمَّى مُشْتَرَكًا، كَالعَيْنِ وُضِعَ تارَةً لِلذَّهَبِ، وَتارَةً لِلْباصِرَةِ، وَتارَةً لِلرُّكْبَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يُوضَعْ لِكُلٍّ ابْتِداءً بَلْ وُضِعَ أَوَّلًا لِمَعْنًى ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنًى ثانٍ لِأَجْلِ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، فَإِنِ اشْتَهَرَ فِي الثّانِي وَتُرِكَ مَوْضُوعُهُ الأَوَّلُ يُسَمَّى مَنْقُولًا. وَالمَنْقُولُ بِالنَّظَرِ إِلَى النّاقِلِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْسامٍ: أَحَدُها المَنْقُولُ العُرْفِيُّ بِاعْتِبارِ كَوْنِ النّاقِلِ عُرْفًا عامًّا، وَثانِيها المَنْقُولُ الشَّرْعِيُّ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ أَرْبابَ الشَّرْعِ، وَثالِثُها المَنْقُولُ الاِصْطِلاحِيُّ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عُرْفًا خاصًّا وَطائِفَةً مَخْصُوصَةً. مِثالُ الأَوَّلِ كَلَفْظَةِ الدّابَّةِ، كانَ فِي الأَصْلِ مَوْضُوعًا لِما يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَقَلَهُ العامَّةُ لِلْفَرَسِ أَوْ لِذَواتِ القَوائِمِ الأَرْبَعِ؛ مِثالُ الثّانِي كَلَفْظِ الصَّلاةِ، كانَ فِي الأَصْلِ بِمَعْنَى الدُّعاءِ، ثُمَّ نَقَلَهُ الشّارِعُ إِلَى الأَرْكانِ المَخْصُوصَةِ؛ مِثالُ الثّالِثِ كَلَفْظِ الاِسْمِ، كانَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى العُلُوِّ، ثُمَّ نَقَلَهُ النُّحاةُ إِلَى كَلِمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الدَّلالَةِ غَيْرِ مُقْتَرِنَةٍ بِزَمانٍ مِنَ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي الثّانِي وَلَمْ يُتْرَكِ الأَوَّلُ، بَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي المَوْضُوعِ الأَوَّلِ مَرَّةً وَفِي الثّانِي أُخْرَى، يُسَمَّى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَوَّلِ حَقِيقَةً، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الثّانِي مَجازًا، كَالأَسَدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحَيَوانِ المُفْتَرِسِ وَالرَّجُلِ الشُّجاعِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَوَّلِ حَقِيقَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الثّانِي مَجازٌ.

· ص 12

فَصْلٌ

17

إِنْ كانَ اللَّفْظُ مُتَعَدِّدًا وَالمَعْنَى واحِدًا يُسَمَّى مُرادِفًا، كَالأَسَدِ وَاللَّيْثِ، وَالغَيْمِ وَالغَيْثِ.

· ص 13

الدَّرْسُ 5 · اللَّفْظُ المُرَكَّبُ

اللَّفْظُ المُرَكَّبُ

فَصْلٌ

18

المُرَكَّبُ قِسْمانِ: أَحَدُهُما المُرَكَّبُ التّامُّ، وَهُوَ ما يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، كَـ«زَيْدٌ قائِمٌ»؛ وَثانِيهِما المُرَكَّبُ النّاقِصُ، وَهُوَ ما لَيْسَ كَذٰلِكَ.

· ص 13

فَصْلٌ

19

المُرَكَّبُ التّامُّ ضَرْبانِ: يُقالُ لِأَحَدِهِما الخَبَرُ وَالقَضِيَّةُ، وَهُوَ ما قُصِدَ بِهِ الحِكايَةُ، وَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالكَذِبَ، فَيُقالُ لِقائِلِهِ: إِنَّهُ صادِقٌ أَوْ كاذِبٌ، نَحْوُ: «السَّماءُ فَوْقَنا» وَ«العالَمُ حادِثٌ». فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُنا «لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ» قَضِيَّةٌ وَخَبَرٌ مَعَ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ الكَذِبَ، قُلْتُ: مُجَرَّدُ اللَّفْظِ مُحْتَمِلٌ، وَإِنْ كانَ إِلَى خُصُوصِيَّةِ الحاشِيَتَيْنِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْكَذِبِ. وَيُقالُ لِثانِي القِسْمَيْنِ الإِنْشاءُ، وَلِلْإِنْشاءِ أَقْسامٌ: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَتَمَنٍّ وَتَرَجٍّ وَاسْتِفْهامٌ وَنِداءٌ.

· ص 14

فَصْلٌ

20

المُرَكَّبُ النّاقِصُ عَلَى أَنْحاءٍ: مِنْها المُرَكَّبُ الإِضافِيُّ، كَـ«غُلامِ زَيْدٍ»؛ وَمِنْها المُرَكَّبُ التَّوْصِيفِيُّ، كَـ«الرَّجُلِ العالِمِ»؛ وَمِنْها المُرَكَّبُ التَّقْيِيدِيُّ، كَـ«فِي الدّارِ». وَهٰهُنا قَدْ تَمَّ بَحْثُ الأَلْفاظِ، وَالآنَ نَشْرَعُ فِي بَحْثِ المَعانِي.

· ص 14

الدَّرْسُ 6 · الجُزْئِيُّ وَالكُلِّيُّ، وَالنِّسَبُ بَيْنَ الكُلِّيّاتِ

الجُزْئِيُّ وَالكُلِّيُّ، وَالنِّسَبُ بَيْنَ الكُلِّيّاتِ

فَصْلٌ

21

المَفْهُومُ، أَيْ ما حَصَلَ فِي الذِّهْنِ، قِسْمانِ: أَحَدُهُما جُزْئِيٌّ، وَالثّانِي كُلِّيٌّ. أَمّا الجُزْئِيُّ فَهُوَ ما يَمْنَعُ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ عَنْ صِدْقِهِ عَلَى كَثِيرِينَ، كَـ«زَيْدٍ» وَ«عَمْرٍو» وَ«هٰذا الفَرَسِ» وَ«هٰذا الجِدارِ»؛ وَأَمّا الكُلِّيُّ فَهُوَ ما لا يَمْنَعُ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ عَنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ وَعَنْ صِدْقِهِ عَلَى كَثِيرِينَ، كَالإِنْسانِ وَالفَرَسِ. وَقَدْ يُفَسَّرُ الكُلِّيُّ وَالجُزْئِيُّ بِتَفْسِيرَيْنِ آخَرَيْنِ: أَمّا الكُلِّيُّ فَهُوَ ما جَوَّزَ العَقْلُ تَكَثُّرَهُ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ، وَأَمّا الجُزْئِيُّ فَهُوَ ما لا يَكُونُ كَذٰلِكَ.

· ص 14

فَصْلٌ

22

الكُلِّيُّ أَقْسامٌ: أَحَدُها ما يَمْتَنِعُ وُجُودُ أَفْرادِهِ فِي الخارِجِ، كَاللّاشَيْءِ وَاللّامُمْكِنِ وَاللّامَوْجُودِ؛ وَثانِيها ما يُمْكِنُ أَفْرادُهُ وَلَمْ تُوجَدْ، كَالعَنْقاءِ وَجَبَلٍ مِنَ الياقُوتِ؛ وَثالِثُها ما أَمْكَنَتْ أَفْرادُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ أَفْرادِهِ إِلّا فَرْدٌ واحِدٌ، كَالشَّمْسِ وَالواجِبِ تَعالَى؛ وَرابِعُها ما وُجِدَتْ لَهُ أَفْرادٌ كَثِيرَةٌ، إِمّا مُتَناهِيَةٌ، كَالكَواكِبِ السَّيّارَةِ، فَإِنَّها سَبْعٌ: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالمِرِّيخُ وَالزُّهَرَةُ وَزُحَلُ وَعُطارِدُ وَالمُشْتَرِي؛ أَوْ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، كَأَفْرادِ الإِنْسانِ وَالفَرَسِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى تَعْرِيفِ الكُلِّيِّ وَالجُزْئِيِّ سُؤالٌ تَقْرِيرُهُ: أَنَّ الصُّورَةَ الحاصِلَةَ مِنَ البَيْضَةِ المُعَيَّنَةِ، وَالشَّبَحَ المَرْئِيَّ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَحْسُوسَ الطِّفْلِ فِي مَبْدَإِ الوِلادَةِ، كُلُّها جُزْئِيّاتٌ، مَعَ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْها تَعْرِيفُ الكُلِّيِّ؛ لِأَنَّ فِي هٰذِهِ الصُّوَرِ فَرْضَ صِدْقِها عَلَى كَثِيرِينَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وَالجَوابُ: أَنَّ المُرادَ بِصِدْقِ المَفْهُومِ فِي تَعْرِيفِ الكُلِّيِّ هُوَ الصِّدْقُ عَلَى وَجْهِ الاِجْتِماعِ، وَهٰذِهِ الصُّوَرُ، أَعْنِي صُورَةَ البَيْضَةِ المُعَيَّنَةِ وَغَيْرَها، إِنَّما يَصْدُقُ عَلَى كَثِيرِينَ بَدَلًا لا مَعًا؛ فَإِنَّ الوَحْدَةَ مَأْخُوذَةٌ فِي هٰذِهِ الصُّوَرِ ضَرُورَةَ أَنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنْ مادَّةٍ مُعَيَّنَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَلَوْلا فِيها اعْتِبارُ التَّوَحُّدِ لَكانَتْ كُلِّيَّةً مِنْ غَيْرِ لُزُومِ إِشْكالٍ، هٰذا.

· ص 15

فَصْلٌ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ الكُلِّيَّيْنِ

23

اِعْلَمْ أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الكُلِّيَّيْنِ تُتَصَوَّرُ عَلَى أَنْحاءٍ أَرْبَعَةٍ؛ لِأَنَّكَ إِذا أَخَذْتَ كُلِّيَّيْنِ فَإِمّا أَنْ يَصْدُقَ كُلٌّ مِنْهُما عَلَى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الآخَرُ، فَهُما مُتَساوِيانِ، كَالإِنْسانِ وَالنّاطِقِ؛ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسانٍ ناطِقٌ وَكُلَّ ناطِقٍ إِنْسانٌ؛ أَوْ يَصْدُقُ واحِدُهُما عَلَى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الآخَرُ وَلا يَصْدُقُ الآخَرُ عَلَى جَمِيعِ أَفْرادِ أَحَدِهِما، فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقًا، كَالحَيَوانِ وَالإِنْسانِ، فَيَصْدُقُ الحَيَوانُ عَلَى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الإِنْسانُ، وَلا يَصْدُقُ الإِنْسانُ عَلَى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الحَيَوانُ، بَلْ عَلَى بَعْضِهِ؛ أَوْ لا يَصْدُقُ شَيْءٌ مِنْهُما عَلَى شَيْءٍ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الآخَرُ، فَهُما مُتَبايِنانِ، كَالإِنْسانِ وَالفَرَسِ؛ أَوْ يَصْدُقُ بَعْضُ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما عَلَى بَعْضِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الآخَرُ، فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، كَالأَبْيَضِ وَالحَيَوانِ، فَفِي البَطِّ يَصْدُقُ كُلٌّ مِنْهُما، وَفِي الفِيلِ يَصْدُقُ الحَيَوانُ فَقَطْ، وَفِي الثَّلْجِ وَالعاجِ يَصْدُقُ الأَبْيَضُ فَقَطْ. فَهٰذِهِ أَرْبَعُ نِسَبٍ: التَّساوِي، وَالتَّبايُنُ، وَالعُمُومُ وَالخُصُوصُ مُطْلَقًا، وَالعُمُومُ وَالخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ؛ فَاحْفَظْ ذٰلِكَ.

· ص 15

فَصْلٌ

24

قَدْ يُقالُ الجُزْئِيُّ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ ما كانَ أَخَصَّ تَحْتَ الأَعَمِّ؛ فَالإِنْسانُ عَلَى هٰذا التَّعْرِيفِ جُزْئِيٌّ؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الحَيَوانِ، وَكَذا الحَيَوانُ؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الجِسْمِ النّامِي، وَكَذا الجِسْمُ النّامِي؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الجِسْمِ المُطْلَقِ، وَكَذا الجِسْمُ المُطْلَقُ؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الجَوْهَرِ. وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الجُزْئِيِّ الحَقِيقِيِّ وَبَيْنَ هٰذا الجُزْئِيِّ المُسَمَّى بِالجُزْئِيِّ الإِضافِيِّ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقًا؛ لِاجْتِماعِهِما فِي زَيْدٍ مَثَلًا، وَصِدْقِ الإِضافِيِّ بِدُونِ الحَقِيقِيِّ فِي الإِنْسانِ، فَإِنَّهُ جُزْئِيٌّ إِضافِيٌّ وَلَيْسَ بِجُزْئِيٍّ حَقِيقِيٍّ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُ عَلَى كَثِيرِينَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

· ص 16

الدَّرْسُ 7 · الجِنْسُ وَالنَّوْعُ، وَتَرْتِيبُهُما

الجِنْسُ وَالنَّوْعُ، وَتَرْتِيبُهُما

فَصْلٌ

25

الكُلِّيّاتُ خَمْسٌ: الأَوَّلُ هُوَ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالحَقائِقِ فِي جَوابِ «ما هُوَ»، كَالحَيَوانِ، فَإِنَّهُ مَقُولٌ عَلَى الإِنْسانِ وَالفَرَسِ وَالغَنَمِ إِذا سُئِلَ عَنْها بِـ«ما هُوَ»، وَيُقالُ: «الإِنْسانُ وَالفَرَسُ ما هُما؟» فَالجَوابُ: حَيَوانٌ.

· ص 17

فَصْلٌ

26

الثّانِي النَّوْعُ، وَهُوَ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُتَّفِقِينَ بِالحَقائِقِ فِي جَوابِ «ما هُوَ». وَلِلنَّوْعِ مَعْنًى آخَرُ، وَيُقالُ لَهُ النَّوْعُ الإِضافِيُّ، وَهُوَ ماهِيَّةٌ يُقالُ عَلَيْها وَعَلَى غَيْرِها الجِنْسُ فِي جَوابِ «ما هُوَ». وَبَيْنَ النَّوْعِ الحَقِيقِيِّ وَالنَّوْعِ الإِضافِيِّ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِتَصادُقِهِما عَلَى الإِنْسانِ، وَصِدْقِ الحَقِيقِيِّ بِدُونِ الإِضافِيِّ فِي النُّقْطَةِ، وَصِدْقِ الإِضافِيِّ بِدُونِ الحَقِيقِيِّ فِي الحَيَوانِ.

· ص 17

فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ الأَجْناسِ

27

الجِنْسُ إِمّا سافِلٌ، وَهُوَ ما لا يَكُونُ تَحْتَهُ جِنْسٌ وَيَكُونُ فَوْقَهُ جِنْسٌ، بَلْ إِنَّما يَكُونُ تَحْتَهُ النَّوْعُ، كَالحَيَوانِ، فَإِنَّ تَحْتَهُ الإِنْسانَ وَهُوَ نَوْعٌ، وَفَوْقَهُ الجِسْمُ النّامِي وَهُوَ جِنْسٌ، فَالحَيَوانُ جِنْسٌ سافِلٌ؛ وَإِمّا مُتَوَسِّطٌ، وَهُوَ ما يَكُونُ تَحْتَهُ جِنْسٌ وَفَوْقَهُ أَيْضًا جِنْسٌ، كَالجِسْمِ النّامِي، فَإِنَّ تَحْتَهُ الحَيَوانَ وَفَوْقَهُ الجِسْمَ المُطْلَقَ؛ وَإِمّا عالٍ، وَهُوَ ما لا يَكُونُ فَوْقَهُ جِنْسٌ، وَيُسَمَّى بِجِنْسِ الأَجْناسِ أَيْضًا، كَالجَوْهَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ جِنْسٌ وَتَحْتَهُ الجِسْمُ المُطْلَقُ وَالجِسْمُ النّامِي وَالحَيَوانُ.

· ص 17

فَصْلٌ

28

الأَجْناسُ العالِيَةُ عَشَرَةٌ، وَلَيْسَ فِي العالَمِ شَيْءٌ خارِجٌ عَنْ هٰذِهِ الأَجْناسِ، وَيُقالُ لِهٰذِهِ الأَجْناسِ العالِيَةِ المَقُولاتُ العَشْرُ أَيْضًا، أَحَدُها الجَوْهَرُ، وَالباقِي المَقُولاتُ التِّسْعُ لِلْعَرَضِ. الجَوْهَرُ هُوَ المَوْجُودُ لا فِي مَوْضُوعٍ، أَيْ مَحَلٍّ، بَلْ قائِمٌ بِنَفْسِهِ، كَالأَجْسامِ؛ وَالعَرَضُ هُوَ المَوْجُودُ فِي مَوْضُوعٍ، أَيْ مَحَلٍّ. وَالمَقُولاتُ العَرَضِيَّةُ هِيَ: الكَمُّ، وَالكَيْفُ، وَالإِضافَةُ، وَالأَيْنُ، وَالمِلْكُ، وَالفِعْلُ، وَالاِنْفِعالُ، وَالمَتَى، وَالوَضْعُ، وَيَجْمَعُها هٰذا البَيْتُ الفارِسِيُّ: «مردی دراز نیکو دیدم بشهر امروز * با خواسته نشسته از کردِ خویش فیروز»

· ص 18

فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ الأَنْواعِ

29

اِعْلَمْ أَنَّ الأَنْواعَ قَدْ تَتَرَتَّبُ مُتَنازِلَةً؛ فَالنَّوْعُ قَدْ يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعٌ وَلا يَكُونُ فَوْقَهُ نَوْعٌ، فَهُوَ النَّوْعُ العالِي؛ وَقَدْ يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعٌ وَفَوْقَهُ نَوْعٌ، وَهُوَ النَّوْعُ المُتَوَسِّطُ؛ وَقَدْ لا يَكُونُ تَحْتَهُ نَوْعٌ وَيَكُونُ فَوْقَهُ نَوْعٌ، وَهُوَ النَّوْعُ السّافِلُ، وَيُقالُ لَهُ نَوْعُ الأَنْواعِ أَيْضًا.

· ص 18

الدَّرْسُ 8 · الفَصْلُ وَالخاصَّةُ وَالعَرَضُ العامُّ

الفَصْلُ وَالخاصَّةُ وَالعَرَضُ العامُّ

فَصْلٌ

30

الثّالِثُ الفَصْلُ، وَهُوَ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى الشَّيْءِ فِي جَوابِ «أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذاتِهِ»، كَما إِذا سُئِلَ: «الإِنْسانُ بِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذاتِهِ؟» فَيُجابُ بِأَنَّهُ ناطِقٌ. وَهُوَ قِسْمانِ: قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ؛ فَالقَرِيبُ هُوَ المُمَيِّزُ عَنِ المُشارِكاتِ فِي الجِنْسِ القَرِيبِ، وَالبَعِيدُ هُوَ المُمَيِّزُ عَنِ المُشارِكاتِ فِي الجِنْسِ البَعِيدِ؛ فَالأَوَّلُ كَالنّاطِقِ لِلْإِنْسانِ، وَالثّانِي كَالحَسّاسِ لَهُ. وَلِلْفَصْلِ نِسْبَةٌ إِلَى النَّوْعِ فَيُسَمَّى مُقَوِّمًا؛ لِدُخُولِهِ فِي قِوامِ النَّوْعِ وَحَقِيقَتِهِ، وَنِسْبَةٌ إِلَى الجِنْسِ فَيُسَمَّى مُقَسِّمًا؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّمُ الجِنْسَ وَيُحَصِّلُ قِسْمًا لَهُ، كَالنّاطِقِ، فَهُوَ مُقَوِّمٌ لِلْإِنْسانِ؛ لِأَنَّ الإِنْسانَ هُوَ الحَيَوانُ النّاطِقُ، وَمُقَسِّمٌ لِلْحَيَوانِ؛ لِأَنَّ بِالنّاطِقِ حَصَلَ لِلْحَيَوانِ قِسْمانِ: أَحَدُهُما الحَيَوانُ النّاطِقُ، وَالآخَرُ الحَيَوانُ الغَيْرُ النّاطِقِ.

· ص 19

فَصْلٌ

31

كُلُّ مُقَوِّمٍ لِلْعالِي مُقَوِّمٌ لِلسّافِلِ، كَالقابِلِ لِلْأَبْعادِ، فَإِنَّهُ مُقَوِّمٌ لِلْجِسْمِ، وَهُوَ مُقَوِّمٌ لِلْجِسْمِ النّامِي وَالحَيَوانِ وَالإِنْسانِ؛ وَكَالنّامِي، فَإِنَّهُ كَما أَنَّهُ مُقَوِّمٌ لِلْجِسْمِ النّامِي مُقَوِّمٌ لِلْحَيَوانِ وَمُقَوِّمٌ لِلْإِنْسانِ أَيْضًا؛ وَكَالحَسّاسِ وَالمُتَحَرِّكِ بِالإِرادَةِ، فَإِنَّهُما كَما أَنَّهُما مُقَوِّمانِ لِلْحَيَوانِ كَذٰلِكَ مُقَوِّمانِ لِلْإِنْسانِ. وَلَيْسَ كُلُّ مُقَوِّمٍ لِلسّافِلِ مُقَوِّمًا لِلْعالِي، فَإِنَّ النّاطِقَ مُقَوِّمٌ لِلْإِنْسانِ وَلَيْسَ مُقَوِّمًا لِلْحَيَوانِ.

· ص 19

فَصْلٌ

32

كُلُّ فَصْلٍ مُقَسِّمٌ لِلسّافِلِ مُقَسِّمٌ لِلْعالِي، فَالنّاطِقُ كَما يُقَسِّمُ الحَيَوانَ إِلَى النّاطِقِ وَغَيْرِ النّاطِقِ كَذٰلِكَ يُقَسِّمُ الجِسْمَ المُطْلَقَ إِلَيْهِما. وَلَيْسَ كُلُّ مُقَسِّمٍ لِلْعالِي مُقَسِّمًا لِلسّافِلِ، فَإِنَّ الحَسّاسَ مَثَلًا يُقَسِّمُ الجِسْمَ النّامِيَ إِلَى الحَسّاسِ وَإِلَى الجِسْمِ النّامِي الغَيْرِ الحَسّاسِ، وَلَيْسَ يُقَسِّمُ الحَيَوانَ إِلَيْهِما؛ فَإِنَّ كُلَّ حَيَوانٍ حَسّاسٌ، وَلا يُوجَدُ حَيَوانٌ غَيْرُ حَسّاسٍ.

· ص 19

فَصْلٌ

33

الكُلِّيُّ الرّابِعُ الخاصَّةُ، وَهُوَ كُلِّيٌّ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الأَفْرادِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَفْرادٍ واقِعَةٍ تَحْتَ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ فَقَطْ، كَالضّاحِكِ لِلْإِنْسانِ وَالكاتِبِ لَهُ.

· ص 20

فَصْلٌ

34

الخامِسُ مِنَ الكُلِّيّاتِ العَرَضُ العامُّ، وَهُوَ الكُلِّيُّ الخارِجُ المَقُولُ عَلَى أَفْرادِ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ وَعَلَى غَيْرِها، كَالماشِي المَحْمُولِ عَلَى أَفْرادِ الإِنْسانِ وَالفَرَسِ.

· ص 20

فائِدَةٌ

35

وَإِذْ قَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا أَنَّ الكُلِّيّاتِ خَمْسٌ: الأَوَّلُ الجِنْسُ، وَالثّانِي النَّوْعُ، وَالثّالِثُ الفَصْلُ، وَالرّابِعُ الخاصَّةُ، وَالخامِسُ العَرَضُ العامُّ، فَاعْلَمْ أَنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ يُقالُ لَها الذّاتِيّاتُ، وَيُقالُ لِلْأَخِيرَيْنِ العَرَضِيّاتُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ اسْمُ الذّاتِيِّ بِالجِنْسِ وَالفَصْلِ فَقَطْ، وَلا يُطْلَقُ عَلَى النَّوْعِ بِهٰذا الإِطْلاقِ لَفْظُ الذّاتِيِّ.

· ص 20

فَصْلٌ

36

العَرَضِيُّ، أَعْنِي الخاصَّةَ وَالعَرَضَ العامَّ، يَنْقَسِمُ إِلَى لازِمٍ وَمُفارِقٍ؛ فَاللّازِمُ ما يَمْتَنِعُ انْفِكاكُهُ عَنِ الشَّيْءِ، إِمّا بِالنَّظَرِ إِلَى الماهِيَّةِ، كَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ وَالفَرْدِيَّةِ لِلثَّلاثَةِ؛ فَإِنَّ انْفِكاكَ الزَّوْجِيَّةِ عَنِ الأَرْبَعَةِ وَالفَرْدِيَّةِ عَنِ الثَّلاثَةِ مُسْتَحِيلٌ؛ وَإِمّا بِالنَّظَرِ إِلَى الوُجُودِ، كَالسَّوادِ لِلْحَبَشِيِّ؛ فَإِنَّ انْفِكاكَ السَّوادِ عَنْ وُجُودِ الحَبَشِيِّ مُسْتَحِيلٌ لا عَنْ ماهِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ ماهِيَّتَهُ الإِنْسانُ، وَظاهِرٌ أَنَّ السَّوادَ لَيْسَ بِلازِمٍ لِلْإِنْسانِ. وَأَمّا العَرَضُ المُفارِقُ فَما لَمْ يَمْتَنِعِ انْفِكاكُهُ عَنِ المَلْزُومِ، كَالكِتابَةِ بِالفِعْلِ لِلْإِنْسانِ، وَالمَشْيِ بِالفِعْلِ لَهُ.

· ص 20

فَصْلٌ

37

وَالعَرَضُ اللّازِمُ قِسْمانِ: الأَوَّلُ ما يَلْزَمُ تَصَوُّرُهُ مِنْ تَصَوُّرِ المَلْزُومِ، كَالبَصَرِ لِلْعَمَى؛ وَالثّانِي ما يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ المَلْزُومِ وَاللّازِمِ الجَزْمُ بِاللُّزُومِ، كَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ؛ فَإِنَّ مَنْ تَصَوَّرَ الأَرْبَعَةَ وَتَصَوَّرَ مَفْهُومَ الزَّوْجِيَّةِ يَجْزِمُ بَداهَةً أَنَّ الأَرْبَعَةَ زَوْجٌ وَمُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ.

· ص 21

فَصْلٌ

38

العَرَضُ المُفارِقُ، أَعْنِي ما يُمْكِنُ انْفِكاكُهُ عَنِ المَعْرُوضِ، أَيْضًا قِسْمانِ: أَحَدُهُما ما يَدُومُ عُرُوضُهُ لِلْمَلْزُومِ، كَالحَرَكَةِ لِلْفَلَكِ؛ وَالثّانِي ما يَزُولُ عَنْهُ، إِمّا بِسُرْعَةٍ، كَحُمْرَةِ الخَجَلِ وَصُفْرَةِ الوَجَلِ، أَوْ بِبُطْءٍ، كَالشَّيْبِ وَالشَّبابِ.

· ص 21

الدَّرْسُ 9 · التَّعْرِيفاتُ

التَّعْرِيفاتُ

فَصْلٌ فِي التَّعْرِيفاتِ

39

مُعَرِّفُ الشَّيْءِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِإِفادَةِ تَصَوُّرِهِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسامٍ: الحَدُّ التّامُّ، وَالحَدُّ النّاقِصُ، وَالرَّسْمُ التّامُّ، وَالرَّسْمُ النّاقِصُ؛ فَالتَّعْرِيفُ إِنْ كانَ بِالجِنْسِ القَرِيبِ وَالفَصْلِ القَرِيبِ يُسَمَّى حَدًّا تامًّا، كَتَعْرِيفِ الإِنْسانِ بِالحَيَوانِ النّاطِقِ؛ وَإِنْ كانَ بِالجِنْسِ البَعِيدِ وَالفَصْلِ القَرِيبِ، أَوْ بِهِ وَحْدَهُ، يُسَمَّى حَدًّا ناقِصًا؛ وَإِنْ كانَ بِالجِنْسِ القَرِيبِ وَالخاصَّةِ يُسَمَّى رَسْمًا تامًّا؛ وَإِنْ كانَ بِالجِنْسِ البَعِيدِ وَالخاصَّةِ أَوْ بِالخاصَّةِ وَحْدَها يُسَمَّى رَسْمًا ناقِصًا. مِثالُ الحَدِّ النّاقِصِ تَعْرِيفُ الإِنْسانِ بِالجِسْمِ النّاطِقِ أَوْ بِالنّاطِقِ فَقَطْ، وَمِثالُ الرَّسْمِ التّامِّ تَعْرِيفُ الإِنْسانِ بِالحَيَوانِ الضّاحِكِ، وَمِثالُ الرَّسْمِ النّاقِصِ تَعْرِيفُهُ بِالجِسْمِ الضّاحِكِ أَوْ بِالضّاحِكِ وَحْدَهُ. وَلا دَخْلَ فِي التَّعْرِيفاتِ لِلْعَرَضِ العامِّ؛ لِأَنَّهُ لا يُفِيدُ التَّمْيِيزَ.

· ص 21

فَصْلٌ

40

التَّعْرِيفُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا كَما ذَكَرْنا، وَقَدْ يَكُونُ لَفْظِيًّا، وَهُوَ ما يُقْصَدُ بِهِ تَفْسِيرُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِمْ: «سَعْدانَةٌ نَبْتٌ» وَ«الغَضَنْفَرُ الأَسَدُ». وَهٰهُنا قَدْ تَمَّتْ مَباحِثُ التَّصَوُّراتِ، أَعْنِي القَوْلَ الشّارِحَ.

· ص 22

البابُ الثّانِي فِي الحُجَّةِ (al-bāb al-thānī fī al-ḥujja)

البابُ الثّانِي فِي الحُجَّةِ

الدَّرْسُ 10 · القَضِيَّةُ: أَقْسامُها وَأَجْزاؤُها وَكَمُّها

القَضِيَّةُ: أَقْسامُها وَأَجْزاؤُها وَكَمُّها

البابُ الثّانِي فِي الحُجَّةِ وَما يَتَعَلَّقُ بِها فَصْلٌ فِي القَضايا

42

القَضِيَّةُ قَوْلٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالكَذِبَ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلٌ يُقالُ لِقائِلِهِ إِنَّهُ صادِقٌ فِيهِ أَوْ كاذِبٌ. وَهِيَ قِسْمانِ: حَمْلِيَّةٌ وَشَرْطِيَّةٌ؛ أَمّا الحَمْلِيَّةُ فَهُوَ ما حُكِمَ فِيها بِثُبُوتِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: «زَيْدٌ قائِمٌ» وَ«زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ»؛ وَأَمّا الشَّرْطِيَّةُ فَما لا يَكُونُ فِيهِ ذٰلِكَ الحُكْمُ، وَقِيلَ: الشَّرْطِيَّةُ ما يَنْحَلُّ إِلَى قَضِيَّتَيْنِ، كَقَوْلِنا: «إِنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً فَالنَّهارُ مَوْجُودٌ» وَ«لَيْسَ البَتَّةَ إِذا كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً فَاللَّيْلُ مَوْجُودٌ»؛ فَإِذا حُذِفَ الأَدَواتُ بَقِيَ «الشَّمْسُ طالِعَةٌ» والنَّهارُ مَوْجُودٌ. والحَمْلِيَّةُ لا يَنْحَلُّ إلى قَضِيَّتَيْنِ، بل يَنْحَلُّ إمّا إلى مُفْرَدَيْنِ كقَوْلِكَ: «زَيْدٌ هو قائِمٌ»، فإنّكَ إذا حَذَفْتَ الرّابِطَةَ أعني «هو» بَقِيَ «زَيْدٌ» و«قائِمٌ» وهما مُفْرَدانِ؛ وإمّا إلى مُفْرَدٍ وقَضِيَّةٍ كما في قَوْلِكَ: «زَيْدٌ أبُوهُ قائِمٌ»، فإذا حَلَّلْتَهُ بَقِيَ «زَيْدٌ» وهو مُفْرَدٌ، و«أبُوهُ قائِمٌ» وهو قَضِيَّةٌ.

· ص 22

فصل

43

الحَمْلِيَّةُ ضَرْبانِ: مُوجَبَةٌ وهي الّتي حُكِمَ فيها بثُبُوتِ شَيْءٍ لشَيْءٍ، وسالِبَةٌ وهي حُكِمَ فيها بنَفْيِ شَيْءٍ عن شَيْءٍ، نحوُ: «الإنْسانُ حَيَوانٌ» و«الإنْسانُ لَيْسَ بفَرَسٍ».

· ص 23

فصل

44

الحَمْلِيَّةُ تَلْتَئِمُ مِن أجْزاءٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها المَحْكُومُ عَلَيْهِ ويُسَمّى مَوْضُوعًا، والثّاني المَحْكُومُ بِهِ ويُسَمّى مَحْمُولًا، والثّالِثُ الدّالُّ على الرّابِطِ ويُسَمّى رابِطَةً. فَفي قَوْلِكَ: «زَيْدٌ هو قائِمٌ» «زَيْدٌ» مَحْكُومٌ عَلَيْهِ ومَوْضُوعٌ، و«قائِمٌ» مَحْكُومٌ بِهِ ومَحْمُولٌ، ولَفْظَةُ «هو» نِسْبَةٌ ورابِطَةٌ. وقد تُحْذَفُ الرّابِطَةُ في اللَّفْظِ دُونَ المُرادِ، فيُقالُ: «زَيْدٌ قائِمٌ».

· ص 23

فصل

45

لِلشَّرْطِيَّةِ أيْضًا أجْزاءٌ، ويُسَمّى الجُزْءُ الأوَّلُ مِنْها مُقَدَّمًا، والجُزْءُ الثّاني مِنْها تالِيًا؛ فَفي قَوْلِكَ: «إنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النَّهارُ مَوْجُودًا» قَوْلُكَ: «إنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً» مُقَدَّمٌ، وقَوْلُكَ: «كانَ النَّهارُ مَوْجُودًا» تالٍ، والرّابِطَةُ هي الحُكْمُ بَيْنَهُما.

· ص 23

فصل

46

وقد تَنْقَسِمُ القَضِيَّةُ باعْتِبارِ المَوْضُوعِ: فالمَوْضُوعُ إنْ كانَ جُزْئِيًّا وشَخْصًا مُعَيَّنًا سُمِّيَتِ القَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً ومَخْصُوصَةً كقَوْلِكَ: «زَيْدٌ قائِمٌ». وإنْ لم يَكُنْ جُزْئِيًّا بل كانَ كُلِّيًّا فهو على أنْحاءٍ؛ لأنّها إنْ كانَ الحُكْمُ فيها على نَفْسِ الحَقِيقَةِ تُسَمّى القَضِيَّةُ طَبْعِيَّةً نحوُ: «الإنْسانُ نَوْعٌ» و«الحَيَوانُ جِنْسٌ»، وإنْ كانَ على أفْرادِها فلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ كَمِّيَّةُ الأفْرادِ فيها مُبَيَّنًا أو لم يَكُنْ، فإنْ بُيِّنَ كَمِّيَّةُ الأفْرادِ تُسَمّى القَضِيَّةُ مَحْصُورَةً كقَوْلِكَ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ» و«بَعْضُ الحَيَوانِ إنْسانٌ»، وإنْ لم يُبَيَّنْ تُسَمّى القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً نحوُ: «الإنْسانُ في خُسْرٍ».

· ص 23

فصل

47

المَحْصُوراتُ أرْبَعٌ: أحَدُها المُوجَبَةُ الكُلِّيَّةُ كقَوْلِكَ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ»، والثّانِيَةُ المُوجَبَةُ الجُزْئِيَّةُ نحوُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ أسْوَدُ»، والثّالِثَةُ السّالِبَةُ الكُلِّيَّةُ نحوُ: «لا شَيْءَ مِنَ الزِّنْجِيِّ بأبْيَضَ»، والرّابِعَةُ السّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ نحوُ: «بَعْضُ الإنْسانِ لَيْسَ بأسْوَدَ».

· ص 24

فصل

48

الّذي يُبَيَّنُ بِهِ كَمِّيَّةُ الأفْرادِ مِنَ الكُلِّيَّةِ والبَعْضِيَّةِ يُسَمّى سُورًا، وهو مَأْخُوذٌ مِن سُورِ البَلَدِ. وسُورُ المُوجَبَةِ الكُلِّيَّةِ: «كُلٌّ» ولامُ الاسْتِغْراقِ، وسُورُ المُوجَبَةِ الجُزْئِيَّةِ: «بَعْضٌ» و«واحِدٌ» نحوُ: «واحِدٌ مِنَ الجِسْمِ جَمادٌ»، وسُورُ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ: «لا شَيْءَ» و«لا واحِدَ» نحوُ: «لا شَيْءَ مِنَ الغُرابِ بأبْيَضَ» و«لا واحِدَ مِنَ النّارِ ببارِدٍ»، ووُقُوعُ النَّكِرَةِ تَحْتَ النَّفْيِ نحوُ: «ما مِن ماءٍ إلّا وهو رَطْبٌ»، وسُورُ السّالِبَةِ الجُزْئِيَّةِ: «لَيْسَ بَعْضٌ» كقَوْلِكَ: «لَيْسَ بَعْضُ الحَيَوانِ بحِمارٍ»، و«بَعْضٌ لَيْسَ» كما تَقُولُ: «بَعْضُ الفَواكِهِ لَيْسَ بحُلْوٍ». اعْلَمْ أنّ في كُلِّ لِسانٍ سُورًا يَخُصُّها، فَفي الفارِسِيَّةِ لَفْظُ «هر» سُورُ المُوجَبَةِ الكُلِّيَّةِ، كقَوْلِ الشّاعِرِ، بيت: «هر آنکس که در بند حرص اوفتاد * دهد خرمن زندگانی بباد».

· ص 24

الدَّرْسُ 11 · الحَمْلُ، وَتَقْسِيماتٌ أُخْرَى، وَالمُوَجَّهاتُ

الحَمْلُ، وَتَقْسِيماتٌ أُخْرَى، وَالمُوَجَّهاتُ

فصل

49

قد جَرَتْ عادَةُ المِيزانِيِّينَ أنّهم يُعَبِّرُونَ عنِ المَوْضُوعِ بـ«ج» وعنِ المَحْمُولِ بـ«ب»، فمَتى أرادُوا التَّعْبِيرَ عنِ المُوجَبَةِ الكُلِّيَّةِ يَقُولُونَ: «كُلُّ ج ب»، ومَقْصُودُهم مِن ذلك الإيجازُ ودَفْعُ تَوَهُّمِ الانْحِصارِ.

· ص 25

فصل

50

الحَمْلُ في اصْطِلاحِهِمُ اتِّحادُ المُتَغايِرَيْنِ في المَفْهُومِ بحَسَبِ الوُجُودِ؛ فَفي قَوْلِكَ: «زَيْدٌ كاتِبٌ» و«عَمْرٌو شاعِرٌ» مَفْهُومُ «زَيْدٍ» مُغايِرٌ لمَفْهُومِ «كاتِبٍ» لكنّهما مَوْجُودانِ بوُجُودٍ واحِدٍ، وكذا مَفْهُومُ «عَمْرٍو» و«شاعِرٍ» مُتَغايِرانِ وقَدِ اتَّحَدا في الوُجُودِ. ثُمَّ الحَمْلُ على قِسْمَيْنِ؛ لأنّه إنْ كانَ بواسِطَةِ «في» أو «ذُو» أوِ اللّامِ كما في قَوْلِكَ: «زَيْدٌ في الدّارِ» و«المالُ لِزَيْدٍ» و«خالِدٌ ذُو مالٍ» يُسَمّى الحَمْلَ بالاشْتِقاقِ، وإنْ لم يَكُنْ كذلك بل يُحْمَلُ شَيْءٌ على شَيْءٍ بلا واسِطَةِ هذه الوَسائِطِ يُقالُ لَهُ: الحَمْلُ بالمُواطاةِ، نحوُ: «عَمْرٌو طَبِيبٌ» و«بَكْرٌ فَصِيحٌ».

· ص 25

فصل

51

تَقْسِيمٌ آخَرُ لِلْحَمْلِيَّةِ: مَوْضُوعُ الحَمْلِيَّةِ إنْ كانَ مَوْجُودًا في الخارِجِ وكانَ الحُكْمُ فيها باعْتِبارِ تَحَقُّقِ المَوْضُوعِ ووُجُودِهِ في الخارِجِ كانَتِ القَضِيَّةُ خارِجِيَّةً، نحوُ: «الإنْسانُ كاتِبٌ»، وإنْ كانَ مَوْجُودًا في الذِّهْنِ وكانَ الحُكْمُ باعْتِبارِ خُصُوصِ وُجُودِهِ في الذِّهْنِ كانَتْ ذِهْنِيَّةً، نحوُ: «الإنْسانُ كُلِّيٌّ»، وإنْ كانَ الحُكْمُ باعْتِبارِ تَقَرُّرِهِ في الواقِعِ مَعَ عَزْلِ النَّظَرِ عن خُصُوصِيَّةِ ظَرْفِ الخارِجِ أوِ الذِّهْنِ سُمِّيَتِ القَضِيَّةُ حَقِيقِيَّةً، نحوُ: «الأرْبَعَةُ زَوْجٌ» و«السِّتَّةُ ضِعْفُ الثَّلاثَةِ».

· ص 25

فصل

52

القَضِيَّةُ المُوجَبَةُ وكذا السّالِبَةُ تَنْقَسِمانِ إلى مَعْدُولَةٍ وغَيْرِ مَعْدُولَةٍ؛ فالمَعْدُولَةُ ما يَكُونُ فيه حَرْفُ السَّلْبِ جُزْءًا مِنَ المَوْضُوعِ أو مِنَ المَحْمُولِ أو كِلَيْهِما. مِثالُ الأوَّلِ قَوْلُنا: «اللّاحَيُّ جَمادٌ»، مِثالُ الثّاني: «زَيْدٌ لا عالِمٌ»، مِثالُ الثّالِثِ: «اللّاحَيُّ لا عالِمٌ»؛ هذا في الإيجابِ. أمّا في السَّلْبِ فمِثالُ الأوَّلِ: «اللّاحَيُّ لَيْسَ بعالِمٍ»، ومِثالُ الثّاني: «العالِمُ لَيْسَ بلا حَيٍّ»، ومِثالُ الثّالِثِ: «اللّاحَيُّ لَيْسَ بلا جَمادٍ». وغَيْرُ المَعْدُولَةِ بخِلافِها، ويُسَمّى غَيْرُ المَعْدُولَةِ في المُوجَبَةِ بالمُحَصَّلَةِ، وفي السّالِبَةِ بالبَسِيطَةِ.

· ص 26

فصل

53

وقد يُذْكَرُ الجِهَةُ في القَضِيَّةِ فيُسَمّى مُوَجَّهَةً ورُباعِيَّةً أيْضًا. والمُوَجَّهاتُ خَمْسَةَ عَشَرَ: ثَمانِيَةٌ مِنْها بَسِيطَةٌ، وسَبْعَةٌ مِنْها مُرَكَّبَةٌ. أمّا البَسائِطُ فأحَدُها الضَّرُورِيَّةُ المُطْلَقَةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بضَرُورَةِ ثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو سَلْبِهِ عنه ما دامَ ذاتُ المَوْضُوعِ مَوْجُودَةً، كقَوْلِكَ: «الإنْسانُ حَيَوانٌ بالضَّرُورَةِ» و«لَيْسَ بحَجَرٍ بالضَّرُورَةِ». والثّانِيَةُ الدّائِمَةُ المُطْلَقَةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بدَوامِ ثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو سَلْبِهِ عنه، كقَوْلِكَ: «كُلُّ فَلَكٍ مُتَحَرِّكٌ بالدَّوامِ» و«لا شَيْءَ مِنَ الفَلَكِ بساكِنٍ بالدَّوامِ». والثّالِثَةُ المَشْرُوطَةُ العامَّةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بضَرُورَةِ ثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو نَفْيِهِ عنه ما دامَ ذاتُ المَوْضُوعِ مَوْصُوفًا بالوَصْفِ العُنْوانِيِّ، والوَصْفُ العُنْوانِيُّ عِنْدَهم ما عُبِّرَ بِهِ عنِ المَوْضُوعِ، كقَوْلِنا: «كُلُّ كاتِبٍ مُتَحَرِّكُ الأصابِعِ بالضَّرُورَةِ ما دامَ كاتِبًا» و«لا شَيْءَ مِنَ الكاتِبِ بساكِنِ الأصابِعِ بالضَّرُورَةِ ما دامَ كاتِبًا». والرّابِعَةُ العُرْفِيَّةُ العامَّةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بدَوامِ ثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو سَلْبِهِ عنه ما دامَ ذاتُ المَوْضُوعِ مُتَّصِفًا بالوَصْفِ العُنْوانِيِّ، كقَوْلِنا: «بالدَّوامِ كُلُّ كاتِبٍ مُتَحَرِّكُ الأصابِعِ ما دامَ كاتِبًا» و«بالدَّوامِ لا شَيْءَ مِنَ النّائِمِ بمُسْتَيْقِظٍ ما دامَ نائِمًا». والخامِسَةُ الوَقْتِيَّةُ المُطْلَقَةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بضَرُورَةِ ثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو نَفْيِهِ عنه في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ مِن أوْقاتِ الذّاتِ، كما تَقُولُ: «كُلُّ قَمَرٍ مُنْخَسِفٌ بالضَّرُورَةِ وَقْتَ حَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ» و«لا شَيْءَ مِنَ القَمَرِ بمُنْخَسِفٍ بالضَّرُورَةِ وَقْتَ التَّرْبِيعِ». والسّادِسَةُ المُنْتَشِرَةُ المُطْلَقَةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بضَرُورَةِ ثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو نَفْيِهِ عنه في وَقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن أوْقاتِ الذّاتِ، نحوُ: «كُلُّ حَيَوانٍ مُتَنَفِّسٌ بالضَّرُورَةِ وَقْتًا ما» و «لا شَيْءَ مِنَ الحَجَرِ بمُتَنَفِّسٍ بالضَّرُورَةِ». والسّابِعَةُ المُطْلَقَةُ العامَّةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بوُجُودِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أو سَلْبِهِ عنه، أي في أحَدِ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، كقَوْلِكَ: «كُلُّ إنْسانٍ ضاحِكٌ بالفِعْلِ» و«لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بضاحِكٍ». والثّامِنَةُ المُمْكِنَةُ العامَّةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بسَلْبِ ضَرُورَةِ الجانِبِ المُخالِفِ، كقَوْلِكَ: «كُلُّ نارٍ حارَّةٌ بالإمْكانِ العامِّ» و«لا شَيْءَ مِنَ النّارِ ببارِدٍ بالإمْكانِ العامِّ».

· ص 26

الدَّرْسُ 12 · المُوَجَّهاتُ المُرَكَّبَةُ

المُوَجَّهاتُ المُرَكَّبَةُ

فصل في المركبات

54

المُرَكَّبَةُ قَضِيَّةٌ رُكِّبَتْ حَقِيقَتُها مِن إيجابٍ وسَلْبٍ، والاعْتِبارُ في تَسْمِيَتِها مُوجَبَةً أو سالِبَةً لِلْجُزْءِ الأوَّلِ؛ فإنْ كانَ الجُزْءُ الأوَّلُ مُوجَبًا كقَوْلِكَ: «بالضَّرُورَةِ كُلُّ كاتِبٍ مُتَحَرِّكُ الأصابِعِ ما دامَ كاتِبًا لا دائِمًا» سُمِّيَتْ مُوجَبَةً، وإنْ كانَ الجُزْءُ الأوَّلُ سالِبًا كقَوْلِنا: «بالضَّرُورَةِ لا شَيْءَ مِنَ الكاتِبِ بساكِنِ الأصابِعِ ما دامَ كاتِبًا لا دائِمًا» سُمِّيَتْ سالِبَةً. ومِنَ المُرَكَّباتِ المَشْرُوطَةُ الخاصَّةُ، وهي المَشْرُوطَةُ العامَّةُ مَعَ قَيْدِ اللّادَوامِ بحَسَبِ الذّاتِ، ومَرَّ مِثالُها إيجابًا وسَلْبًا. ومِنْها العُرْفِيَّةُ الخاصَّةُ، وهي العُرْفِيَّةُ العامَّةُ مَعَ قَيْدِ اللّادَوامِ بحَسَبِ الذّاتِ، كما تَقُولُ: «دائِمًا كُلُّ كاتِبٍ مُتَحَرِّكُ الأصابِعِ ما دامَ كاتِبًا لا دائِمًا» و«دائِمًا لا شَيْءَ مِنَ الكاتِبِ بساكِنِ الأصابِعِ ما دامَ كاتِبًا لا دائِمًا». ومِنْها الوُجُودِيَّةُ اللّاضَرُورِيَّةُ، وهي المُطْلَقَةُ العامَّةُ مَعَ قَيْدِ اللّاضَرُورَةِ بحَسَبِ الذّاتِ، كقَوْلِنا: «كُلُّ إنْسانٍ كاتِبٌ بالفِعْلِ لا بالضَّرُورَةِ» في الإيجابِ، و«لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بكاتِبٍ بالفِعْلِ ولا بالضَّرُورَةِ» في السَّلْبِ. ومِنْها الوُجُودِيَّةُ اللّادائِمَةُ، وهي المُطْلَقَةُ العامَّةُ مَعَ قَيْدِ اللّادَوامِ بحَسَبِ الذّاتِ، كقَوْلِكَ في الإيجابِ: «كُلُّ إنْسانٍ ضاحِكٌ بالفِعْلِ لا دائِمًا»، وقَوْلِكَ في السَّلْبِ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بضاحِكٍ بالفِعْلِ لا دائِمًا». ومِنْها الوَقْتِيَّةُ، وهي الوَقْتِيَّةُ المُطْلَقَةُ إذا قُيِّدَ باللّادَوامِ بحَسَبِ الذّاتِ، كقَوْلِنا: «بالضَّرُورَةِ كُلُّ قَمَرٍ مُنْخَسِفٌ وَقْتَ حَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ لا دائِمًا» و«بالضَّرُورَةِ لا شَيْءَ مِنَ القَمَرِ بمُنْخَسِفٍ وَقْتَ التَّرْبِيعِ لا دائِمًا». ومِنْها المُنْتَشِرَةُ، وهي المُنْتَشِرَةُ المُطْلَقَةُ المُقَيَّدَةُ باللّادَوامِ بحَسَبِ الذّاتِ، مِثالُها: «بالضَّرُورَةِ كُلُّ إنْسانٍ مُتَنَفِّسٌ في وَقْتٍ ما لا دائِمًا» و«بالضَّرُورَةِ لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بمُتَنَفِّسٍ وَقْتًا ما لا دائِمًا». ومِنْها المُمْكِنَةُ الخاصَّةُ، وهي الّتي حُكِمَ فيها بارْتِفاعِ الضَّرُورَةِ المُطْلَقَةِ عن جانِبَيِ الوُجُودِ والعَدَمِ جَمِيعًا، كقَوْلِكَ: «بالإمْكانِ الخاصِّ كُلُّ إنْسانٍ ضاحِكٌ» و«بالإمْكانِ الخاصِّ لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بضاحِكٍ».

· ص 28

فصل

55

اللّادَوامُ إشارَةٌ إلى مُطْلَقَةٍ عامَّةٍ، واللّاضَرُورَةُ إشارَةٌ إلى مُمْكِنَةٍ عامَّةٍ؛ فإذا قُلْتَ: «كُلُّ إنْسانٍ مُتَعَجِّبٌ بالفِعْلِ لا دائِمًا» فكأنّكَ قُلْتَ: «كُلُّ إنْسانٍ مُتَعَجِّبٌ بالفِعْلِ، ولا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بمُتَعَجِّبٍ بالفِعْلِ»، وإذا قُلْتَ: «كُلُّ حَيَوانٍ ماشٍ بالفِعْلِ لا بالضَّرُورَةِ» فكأنّكَ قُلْتَ: «كُلُّ حَيَوانٍ ماشٍ بالفِعْلِ، ولا شَيْءَ مِنَ الحَيَوانِ بماشٍ بالإمْكانِ».

· ص 29

الدَّرْسُ 13 · القَضايا الشَّرْطِيَّةُ

القَضايا الشَّرْطِيَّةُ

باب الشرطيات

56

قد عَرَفْتَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ، وهي الّتي تَنْحَلُّ إلى قَضِيَّتَيْنِ، والآنَ نَهْدِيكَ إلى أقْسامِها، ونُرْشِدُكَ إلى أحْكامِها؛ فاعْلَمْ أيُّها الفَطِنُ اللَّبِيبُ والذَّكِيُّ الأرِيبُ أنّ الشَّرْطِيَّةَ قِسْمانِ: أحَدُهما المُتَّصِلَةُ، وثانِيهِما المُنْفَصِلَةُ. أمّا المُتَّصِلَةُ فهي الّتي حُكِمَ فيها بثُبُوتِ نِسْبَةٍ على تَقْدِيرِ ثُبُوتِ نِسْبَةٍ أُخْرى في الإيجابِ، وبنَفْيِ نِسْبَةٍ على تَقْدِيرِ نَفْيِ نِسْبَةٍ أُخْرى في السَّلْبِ، كقَوْلِنا في الإيجابِ: «إنْ كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا»، وقَوْلِنا في السَّلْبِ: «لَيْسَ البَتَّةَ إذا كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ فَرَسًا». ثُمَّ المُتَّصِلَةُ صِنْفانِ: إنْ كانَ ذلك الحُكْمُ لِعَلاقَةٍ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي سُمِّيَتْ لُزُومِيَّةً كما مَرَّ، وإنْ كانَ ذلك الحُكْمُ بدُونِ العَلاقَةِ سُمِّيَتِ اتِّفاقِيَّةً، كقَوْلِكَ: «إذا كانَ الإنْسانُ ناطِقًا فالحِمارُ ناهِقٌ». والعَلاقَةُ في عُرْفِهم عِبارَةٌ عن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ أحَدُهما عِلَّةً لِلْآخَرِ أو كِلاهُما مَعْلُولَيْنِ لِثالِثٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما عَلاقَةُ التَّضايُفِ. والتَّضايُفُ هو أنْ يَكُونَ تَعَقُّلُ أحَدِهِما مَوْقُوفًا على تَعَقُّلِ الآخَرِ كالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ؛ فإذا قُلْتَ: «إنْ كانَ زَيْدٌ أبًا لِعَمْرٍو كانَ عَمْرٌو ابْنًا لَهُ» يَكُونُ شَرْطِيَّةً مُتَّصِلَةً بَيْنَ طَرَفَيْها عَلاقَةُ التَّضايُفِ. وأمّا المُنْفَصِلَةُ فهي الّتي حُكِمَ فيها بالتَّنافِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ في مُوجَبَةٍ، وبسَلْبِ التَّنافِي بَيْنَهُما في سالِبَةٍ.

· ص 29

فصل

57

الشَّرْطِيَّةُ المُنْفَصِلَةُ على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ لأنّها إنْ حُكِمَ فيها بالتَّنافِي أو بعَدَمِهِ بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ في الصِّدْقِ والكَذِبِ مَعًا كانَتِ المُنْفَصِلَةُ حَقِيقِيَّةً، كما تَقُولُ: «هذا العَدَدُ إمّا زَوْجٌ أو فَرْدٌ»، فلا يُمْكِنُ اجْتِماعُ الزَّوْجِيَّةِ والفَرْدِيَّةِ في عَدَدٍ مُعَيَّنٍ ولا ارْتِفاعُهُما. وإنْ حُكِمَ بالتَّنافِي أو بعَدَمِهِ صِدْقًا فَقَطْ كانَتْ مانِعَةَ الجَمْعِ، كقَوْلِكَ: «هذا الشَّيْءُ إمّا شَجَرٌ أو حَجَرٌ»، فلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ حَجَرًا وشَجَرًا مَعًا، ويُمْكِنُ أنْ لا يَكُونَ شَيْئًا مِنْهُما. وإنْ حُكِمَ بالتَّنافِي وسَلْبِهِ كَذِبًا فَقَطْ كانَتْ مانِعَةَ الخُلُوِّ، كقَوْلِ القائِلِ: «إمّا أنْ يَكُونَ زَيْدٌ في البَحْرِ أو لا يَغْرَقَ»، فارْتِفاعُهُما بأنْ لا يَكُونَ زَيْدٌ في البَحْرِ ويَغْرَقَ مُحالٌ، ولَيْسَ اجْتِماعُهُما مُحالًا بأنْ يَكُونَ في البَحْرِ ولا يَغْرَقَ.

· ص 30

فصل

58

المُنْفَصِلَةُ بأقْسامِها الثَّلاثَةِ قِسْمانِ: عِنادِيَّةٌ واتِّفاقِيَّةٌ؛ والعِنادِيَّةُ عِبارَةٌ عن أنْ يَكُونَ فيها التَّنافِي بَيْنَ الجُزْأَيْنِ لِذاتِهِما، والاتِّفاقِيَّةُ عِبارَةٌ عن أنْ يَكُونَ فيها التَّنافِي بمُجَرَّدِ الاتِّفاقِ.

· ص 31

فصل

59

اعْلَمْ أنّه كما يَنْقَسِمُ الحَمْلِيَّةُ إلى الشَّخْصِيَّةِ والمَحْصُورَةِ والمُهْمَلَةِ، كذلك الشَّرْطِيَّةُ تَنْقَسِمُ هذه الأقْسامَ، إلّا أنّ القَضِيَّةَ الطَّبْعِيَّةَ لا تُتَصَوَّرُ هٰهُنا. ثُمَّ التَّقادِيرُ في الشَّرْطِيَّةِ بمَنْزِلَةِ الأفْرادِ في الحَمْلِيَّةِ؛ فإنْ كانَ الحُكْمُ على تَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ ووَضْعٍ خاصٍّ سُمِّيَتِ الشَّرْطِيَّةُ شَخْصِيَّةً، كقَوْلِنا: «إنْ جِئْتَنِي اليَوْمَ أكْرَمْتُكَ»، وإنْ كانَ الحُكْمُ على جَمِيعِ تَقادِيرِ المُقَدَّمِ سُمِّيَتْ كُلِّيَّةً، نحوُ: «كُلَّما كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النَّهارُ مَوْجُودًا»، وإنْ كانَ الحُكْمُ على بَعْضِ التَّقادِيرِ كانَتْ جُزْئِيَّةً، كما في قَوْلِنا: «قد يَكُونُ إذا كانَ الشَّيْءُ حَيَوانًا كانَ إنْسانًا»، وإنْ تُرِكَ ذِكْرُ التَّقادِيرِ كُلًّا وبَعْضًا كانَتْ مُهْمَلَةً، نحوُ: «إنْ كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا».

· ص 31

فصل في ذكر أسوار الشرطيات

60

سُورُ المُوجَبَةِ الكُلِّيَّةِ في المُتَّصِلَةِ لَفْظَةُ «مَتى» و«مَهْما» و«كُلَّما»، وفي المُنْفَصِلَةِ «دائِمًا». وسُورُ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ في المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ «لَيْسَ البَتَّةَ». وسُورُ المُوجَبَةِ الجُزْئِيَّةِ فيهما «قد يَكُونُ». وسُورُ السّالِبَةِ الجُزْئِيَّةِ فيهما «قد لا يَكُونُ»، وبإدْخالِ حَرْفِ السَّلْبِ على سُورِ الإيجابِ الكُلِّيِّ. ولَفْظَةُ «لَوْ» و«إنْ» و«إذا» في الاتِّصالِ، و«إمّا» و«أوْ» في الانْفِصالِ، تَجِيءُ في الإهْمالِ.

· ص 31

فصل

61

طَرَفا الشَّرْطِيَّةِ ـ أعْنِي المُقَدَّمَ والتّالِيَ ـ لا حُكْمَ فيهما حِينَ كَوْنِهِما طَرَفَيْنِ، وبَعْدَ التَّحْلِيلِ يُمْكِنُ أنْ يُعْتَبَرَ فيهما حُكْمٌ؛ فطَرَفاها إمّا شَبِيهَتانِ بحَمْلِيَّتَيْنِ، أو مُتَّصِلَتَيْنِ، أو مُنْفَصِلَتَيْنِ، أو مُخْتَلِفَتَيْنِ. عَلَيْكَ باسْتِخْراجِ الأمْثِلَةِ.

· ص 32

الدَّرْسُ 14 · التَّناقُضُ

التَّناقُضُ

فصل

62

وإذْ قد فَرَغْنا عن بَيانِ القَضايا وذِكْرِ أقْسامِها الأوَّلِيَّةِ والثّانَوِيَّةِ، فحانَ لَنا أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن أحْكامِها؛ فنَقُولُ: مِن أحْكامِها التَّناقُضُ والعُكُوسُ، فلْنَعْقِدْ لِبَيانِها فُصُولًا، ونَذْكُرْ فيها أُصُولًا.

· ص 32

فصل

63

التَّناقُضُ هو اخْتِلافُ القَضِيَّتَيْنِ بالإيجابِ والسَّلْبِ بحَيْثُ يَقْتَضِي لِذاتِهِ صِدْقَ إحْداهُما كَذِبَ الأُخْرى أو بالعَكْسِ، كقَوْلِنا: «زَيْدٌ قائِمٌ» و«زَيْدٌ لَيْسَ بقائِمٍ». وشَرْطُ تَحَقُّقِ التَّناقُضِ بَيْنَ القَضِيَّتَيْنِ المَخْصُوصَتَيْنِ وَحَداتٌ ثَمانِيَةٌ، فلا يَتَحَقَّقُ بِدُونِها: وَحْدَةُ المَوْضُوعِ ووَحْدَةُ المَحْمُولِ، ووَحْدَةُ المَكانِ، ووَحْدَةُ الزَّمانِ، ووَحْدَةُ القُوَّةِ والفِعْلِ، ووَحْدَةُ الشَّرْطِ، ووَحْدَةُ الجُزْءِ والكُلِّ، ووَحْدَةُ الإضافَةِ. وقَدِ اجْتَمَعَتْ في هٰذَيْنِ البَيْتَيْنِ، بيت: «در تناقض هشت وحدة شرط دان * وحدة موضوع ومحمول ومكان وحدة شرط واضافت جزو وكل * قوة وفعل است در آخر زمان» فإذا اخْتَلَفَتا فيها لم تَتَناقَضا، نحوُ: «زَيْدٌ قائِمٌ» و«عَمْرٌو لَيْسَ بقائِمٍ»، و«زَيْدٌ قاعِدٌ» و«زَيْدٌ لَيْسَ بقائِمٍ»، و«زَيْدٌ مَوْجُودٌ» أي في الدّارِ و«زَيْدٌ لَيْسَ بمَوْجُودٍ» أي في السُّوقِ، و«زَيْدٌ نائِمٌ» أي في اللَّيْلِ و«زَيْدٌ لَيْسَ بنائِمٍ» أي في النَّهارِ، و«زَيْدٌ مُتَحَرِّكُ الأصابِعِ» أي بشَرْطِ كَوْنِهِ كاتِبًا و«زَيْدٌ لَيْسَ بمُتَحَرِّكِ الأصابِعِ» أي بشَرْطِ كَوْنِهِ غَيْرَ كاتِبٍ، و«الخَمْرُ في الدَّنِّ مُسْكِرٌ» أي بالقُوَّةِ و«الخَمْرُ لَيْسَ بمُسْكِرٍ في الدَّنِّ» أي بالفِعْلِ، و«الزِّنْجِيُّ أسْوَدُ» أي كُلُّهُ و«الزِّنْجِيُّ لَيْسَ بأسْوَدَ» أي جُزْؤُهُ أعْنِي أسْنانَهُ، و«زَيْدٌ أبٌ» أي لِبَكْرٍ و«زَيْدٌ لَيْسَ بأبٍ» أي لِخالِدٍ. وبَعْضُهُمُ اكْتَفَوْا بوَحْدَتَيْنِ، أي وَحْدَةِ المَوْضُوعِ والمَحْمُولِ، لانْدِراجِ البَواقِي فيهما، وبَعْضُهُمْ قَنِعُوا بوَحْدَةِ النِّسْبَةِ فَقَطْ؛ لأنّ وَحْدَتَها مُسْتَلْزِمَةٌ بجَمِيعِ الوَحَداتِ.

· ص 32

فصل

64

لا بُدَّ في التَّناقُضِ في المَحْصُورَتَيْنِ مِن كَوْنِ القَضِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ في الكَمِّ، أعْنِي الكُلِّيَّةَ والجُزْئِيَّةَ؛ فإذا كانَ أحَدُهما كُلِّيَّةً تَكُونُ الأُخْرى جُزْئِيَّةً؛ لأنّ الكُلِّيَّتَيْنِ قد تَكْذِبانِ، كما تَقُولُ: «كُلُّ حَيَوانٍ إنْسانٌ» و«لا شَيْءَ مِنَ الحَيَوانِ بإنْسانٍ»، والجُزْئِيَّتَيْنِ قد تَصْدُقانِ، كقَوْلِكَ: «بَعْضُ الحَيَوانِ إنْسانٌ» و«بَعْضُ الحَيَوانِ لَيْسَ بإنْسانٍ»، ويَكُونُ ذلك في كُلِّ مادَّةٍ يَكُونُ المَوْضُوعُ أعَمَّ فيها. ولا بُدَّ في تَناقُضِ القَضايا المُوَجَّهَةِ مِنَ الاخْتِلافِ في الجِهَةِ؛ فنَقِيضُ الضَّرُورِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُمْكِنَةُ العامَّةُ، ونَقِيضُ الدّائِمَةِ المُطْلَقَةِ المُطْلَقَةُ العامَّةُ، ونَقِيضُ المَشْرُوطَةِ العامَّةِ الحِينِيَّةُ المُمْكِنَةُ، ونَقِيضُ العُرْفِيَّةِ العامَّةِ الحِينِيَّةُ المُطْلَقَةُ؛ وهذا في البَسائِطِ المُوَجَّهَةِ. ونَقائِضُ المُرَكَّباتِ مِنْها مَفْهُومٌ مُرَدَّدٌ بَيْنَ نَقِيضَيْ بَسائِطِها، والتَّفْصِيلُ يُطْلَبُ مِن مُطَوَّلاتِ الفَنِّ.

· ص 33

فصل

65

ويُشْتَرَطُ في أخْذِ نَقائِضِ الشَّرْطِيّاتِ الاتِّفاقُ في الجِنْسِ والنَّوْعِ، والمُخالَفَةُ في الكَيْفِ؛ فنَقِيضُ المُتَّصِلَةِ اللُّزُومِيَّةِ المُوجَبَةِ سالِبَةٌ مُتَّصِلَةٌ لُزُومِيَّةٌ، ونَقِيضُ المُنْفَصِلَةِ العِنادِيَّةِ المُوجَبَةِ سالِبَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عِنادِيَّةٌ، وهٰكَذا؛ فإذا قُلْتَ: «دائِمًا كُلَّما كانَ ا ب فـج د» كانَ نَقِيضُهُ «لَيْسَ كُلَّما كانَ ا ب فـج د»، وإذا قُلْتَ: «دائِمًا إمّا أنْ يَكُونَ هذا العَدَدُ زَوْجًا أو فَرْدًا» فنَقِيضُهُ «لَيْسَ دائِمًا إمّا أنْ يَكُونَ هذا العَدَدُ زَوْجًا أو فَرْدًا».

· ص 34

الدَّرْسُ 15 · العَكْسُ المُسْتَوِي وَعَكْسُ النَّقِيضِ

العَكْسُ المُسْتَوِي وَعَكْسُ النَّقِيضِ

فصل

66

العَكْسُ المُسْتَوِي، ويُقالُ لَهُ العَكْسُ المُسْتَقِيمُ أيْضًا، وهو عِبارَةٌ عن جَعْلِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ القَضِيَّةِ ثانِيًا والجُزْءِ الثّانِي أوَّلًا مَعَ بَقاءِ الصِّدْقِ والكَيْفِ. فالسّالِبَةُ الكُلِّيَّةُ تَنْعَكِسُ كنَفْسِها، كقَوْلِكَ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ» يَنْعَكِسُ إلى قَوْلِكَ: «لا شَيْءَ مِنَ الحَجَرِ بإنْسانٍ»، بدَلِيلِ الخُلْفِ؛ تَقْرِيرُهُ أنّه لو لم يَصْدُقْ «لا شَيْءَ مِنَ الحَجَرِ بإنْسانٍ» عِنْدَ صِدْقِ قَوْلِنا: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ» لَصَدَقَ نَقِيضُهُ، أعْنِي قَوْلَنا: «بَعْضُ الحَجَرِ إنْسانٌ»، فنَضُمُّهُ مَعَ الأصْلِ ونَقُولُ: «بَعْضُ الحَجَرِ إنْسانٌ، ولا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ»، يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَجَرِ لَيْسَ بحَجَرٍ»، فيَلْزَمُ سَلْبُ الشَّيْءِ عن نَفْسِهِ، وذلك مُحالٌ. والسّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ لا تَنْعَكِسُ لُزُومًا؛ لجَوازِ عُمُومِ المَوْضُوعِ في الحَمْلِيَّةِ والمُقَدَّمِ في الشَّرْطِيَّةِ، مَثَلًا يَصْدُقُ «بَعْضُ الحَيَوانِ لَيْسَ بإنْسانٍ» ولَيْسَ يَصْدُقُ «بَعْضُ الإنْسانِ لَيْسَ بحَيَوانٍ». والمُوجَبَةُ الكُلِّيَّةُ تَنْعَكِسُ إلى مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ، فقَوْلُنا: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ» يَنْعَكِسُ إلى قَوْلِنا: «بَعْضُ الحَيَوانِ إنْسانٌ»، ولا يَنْعَكِسُ إلى مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ؛ لأنّه يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْمُولُ والتّالِي عامًّا كما في مِثالِنا، فلا يَصْدُقُ «كُلُّ حَيَوانٍ إنْسانٌ». وهٰهُنا شَكٌّ، تَقْرِيرُهُ أنّ قَوْلَنا: «كُلُّ شَيْخٍ كانَ شابًّا» مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ صادِقَةٌ، مَعَ أنّ عَكْسَهُ «بَعْضُ الشّابِّ كانَ شَيْخًا» لَيْسَ بصادِقٍ. وأُجِيبَ عنه بأنّ عَكْسَهُ لَيْسَ ما ذَكَرْتَ، بل عَكْسُهُ «بَعْضُ مَن كانَ شابًّا شَيْخٌ». وقد يُجابُ بوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنّ حِفْظَ النِّسْبَةِ لَيْسَ بضَرُورِيٍّ في العَكْسِ، فعَكْسُهُ «بَعْضُ الشّابِّ يَكُونُ شَيْخًا»، و هو صادِقٌ لا مَحالَةَ. والمُوجَبَةُ الجُزْئِيَّةُ تَنْعَكِسُ إلى مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ، كقَوْلِنا: «بَعْضُ الحَيَوانِ إنْسانٌ» يَنْعَكِسُ إلى قَوْلِنا: «بَعْضُ الإنْسانِ حَيَوانٌ». وقد يُورَدُ على انْعِكاسِ المُوجَبَةِ الجُزْئِيَّةِ كنَفْسِها إيرادٌ، وهو أنّ «بَعْضَ الوَتِدِ في الحائِطِ» صادِقٌ، وعَكْسَهُ أعْنِي «بَعْضَ الحائِطِ في الوَتِدِ» غَيْرُ صادِقٍ. والجَوابُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنّ عَكْسَ هذه القَضِيَّةِ ما قُلْتَ مِن «بَعْضِ الحائِطِ في الوَتِدِ»، بل عَكْسُهُ «بَعْضُ ما في الحائِطِ وَتِدٌ»، ولا مِرْيَةَ في صِدْقِهِ. وباقِي مَباحِثِ العُكُوسِ مِن عَكْسِ المُوَجَّهاتِ والشَّرْطِيّاتِ فمَذْكُورٌ في المُطَوَّلاتِ.

· ص 34

فصل

67

عَكْسُ النَّقِيضِ هو جَعْلُ نَقِيضِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ القَضِيَّةِ ثانِيًا، ونَقِيضِ الجُزْءِ الثّانِي أوَّلًا، مَعَ بَقاءِ الصِّدْقِ والكَيْفِ؛ هذا أُسْلُوبُ المُتَقَدِّمِينَ. فتَنْعَكِسُ المُوجَبَةُ الكُلِّيَّةُ بهذا العَكْسِ كنَفْسِها، كقَوْلِنا: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ» يَنْعَكِسُ إلى قَوْلِنا: «كُلُّ لا حَيَوانٍ لا إنْسانٌ». والمُوجَبَةُ الجُزْئِيَّةُ لا تَنْعَكِسُ بهذا العَكْسِ؛ لأنّ قَوْلَنا: «بَعْضُ الحَيَوانِ لا إنْسانٌ» صادِقٌ، وعَكْسَهُ أعْنِي «بَعْضُ الإنْسانِ لا حَيَوانٌ» كاذِبٌ. والسّالِبَةُ الكُلِّيَّةُ تَنْعَكِسُ إلى سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ؛ تَقُولُ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بفَرَسٍ»، وتَقُولُ في عَكْسِهِ بهذا العَكْسِ: «بَعْضُ اللّافَرَسِ لَيْسَ بلا إنْسانٍ» إلى جُزْئِيَّةٍ، ولا تَقُولُ: «لا شَيْءَ مِنَ اللّافَرَسِ بلا إنْسانٍ» لصِدْقِ نَقِيضِهِ، أعْنِي «بَعْضُ اللّافَرَسِ لا إنْسانٌ» كالجِدارِ. والسّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ تَنْعَكِسُ إلى سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ، كقَوْلِكَ: «بَعْضُ الحَيَوانِ لَيْسَ بإنْسانٍ» تَنْعَكِسُ إلى قَوْلِكَ: «بَعْضُ اللّاإنْسانِ لَيْسَ بلا حَيَوانٍ» كالفَرَسِ. وعُكُوسُ المُوَجَّهاتِ مَذْكُورَةٌ في الكُتُبِ الطِّوالِ. وهٰهُنا قد تَمَّ مَباحِثُ القَضايا وأحْكامِها.

· ص 36

الدَّرْسُ 16 · القِياسُ وَالشَّكْلُ الأَوَّلُ

القِياسُ وَالشَّكْلُ الأَوَّلُ

فصل

68

وإذْ قد فَرَغْنا عن مَباحِثِ القَضايا والعُكُوسِ الّتي كانَتْ مِن مَبادِئِ الحُجَّةِ، فحَرِيٌّ بنا أنْ نَتَكَلَّمَ في مَباحِثِ الحُجَّةِ؛ فنَقُولُ: الحُجَّةُ على ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها القِياسُ، وثانِيها الاسْتِقْراءُ، وثالِثُها التَّمْثِيلُ؛ فلْنُبَيِّنْ هذه الثَّلاثَةَ في ثَلاثَةِ فُصُولٍ.

· ص 37

فصل في القياس

69

وهو قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِن قَضايا يَلْزَمُ عَنْها قَوْلٌ آخَرُ بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ القَضايا؛ فإنْ كانَ النَّتِيجَةُ أو نَقِيضُها مَذْكُورًا فيه يُسَمّى اسْتِثْنائِيًّا، كقَوْلِنا: «إنْ كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا، لكِنَّهُ إنْسانٌ» يُنْتِجُ: «فهو حَيَوانٌ»، و«إنْ كانَ زَيْدٌ حِمارًا كانَ ناهِقًا، لكِنَّهُ لَيْسَ بناهِقٍ» يُنْتِجُ: «أنّه لَيْسَ بحِمارٍ». وإنْ لم تَكُنِ النَّتِيجَةُ ونَقِيضُها مَذْكُورًا يُسَمّى اقْتِرانِيًّا، كقَوْلِكَ: «زَيْدٌ إنْسانٌ، وكُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ» يُنْتِجُ: «زَيْدٌ حَيَوانٌ».

· ص 37

فصل في القياس الاقتراني

70

وهو قِسْمانِ: حَمْلِيٌّ وشَرْطِيٌّ. ومَوْضُوعُ النَّتِيجَةِ في القِياسِ يُسَمّى أصْغَرَ لكَوْنِهِ أقَلَّ أفْرادًا في الأغْلَبِ، ومَحْمُولُهُ يُسَمّى أكْبَرَ لكَوْنِهِ أكْثَرَ أفْرادًا غالِبًا. والقَضِيَّةُ الّتي جُعِلَتْ جُزْءَ قِياسٍ تُسَمّى مُقَدِّمَةً، والمُقَدِّمَةُ الّتي فيها الأصْغَرُ تُسَمّى صُغْرى، والّتي فيها الأكْبَرُ كُبْرى، والجُزْءُ الّذي تَكَرَّرَ بَيْنَهُما يُسَمّى حَدًّا أوْسَطَ، واقْتِرانُ الصُّغْرى بالكُبْرى يُسَمّى قَرِينَةً وضَرْبًا، والهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِن كَيْفِيَّةِ وَضْعِ الأوْسَطِ عِنْدَ الأصْغَرِ والأكْبَرِ تُسَمّى شَكْلًا. والأشْكالُ أرْبَعَةٌ، وَجْهُ الضَّبْطِ أنْ يُقالَ: الحَدُّ الأوْسَطُ إمّا مَحْمُولُ الصُّغْرى ومَوْضُوعُ الكُبْرى، كما في قَوْلِنا: «العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ» يُنْتِجُ: «العالَمُ حادِثٌ»، فهو الشَّكْلُ الأوَّلُ؛ وإنْ كانَ مَحْمُولًا فيهما فهو الشَّكْلُ الثّانِي، كما تَقُولُ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، ولا شَيْءَ مِنَ الحَجَرِ بحَيَوانٍ»، فالنَّتِيجَةُ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ»؛ وإنْ كانَ مَوْضُوعًا فيهما فهو الشَّكْلُ الثّالِثُ، نحوُ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، وبَعْضُ الإنْسانِ كاتِبٌ» يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ كاتِبٌ»؛ وإنْ كانَ مَوْضُوعًا في الصُّغْرى ومَحْمُولًا في الكُبْرى فهو الشَّكْلُ الرّابِعُ، نحوُ قَوْلِنا: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، وبَعْضُ الكاتِبِ إنْسانٌ» يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ كاتِبٌ».

· ص 37

فصل

71

وأشْرَفُ الأشْكالِ مِنَ الأرْبَعَةِ الشَّكْلُ الأوَّلُ، ولذلك كانَ إنْتاجُهُ بَيِّنًا بَدِيهِيًّا يَسْبِقُ الذِّهْنُ فيه إلى النَّتِيجَةِ سَبْقًا طَبْعِيًّا مِن دُونِ حاجَةٍ إلى فِكْرٍ وتَأَمُّلٍ. ولَهُ شَرائِطُ وضُرُوبٌ؛ أمّا الشَّرائِطُ فاثْنانِ: أحَدُهُما إيجابُ الصُّغْرى، وثانِيهِما كُلِّيَّةُ الكُبْرى؛ فإنْ يُفْقَدا مَعًا أو يُفْقَدْ أحَدُهُما لا يَلْزَمِ النَّتِيجَةُ، كما يَظْهَرُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ. وأمّا الضُّرُوبُ فأرْبَعَةٌ؛ لأنّ الاحْتِمالاتِ في كُلِّ شَكْلٍ سِتَّةَ عَشَرَ؛ لأنّ الصُّغْرى أرْبَعَةٌ والكُبْرى أيْضًا أرْبَعَةٌ، أعْنِي المُوجَبَةَ الكُلِّيَّةَ والمُوجَبَةَ الجُزْئِيَّةَ والسّالِبَةَ الكُلِّيَّةَ والجُزْئِيَّةَ، والأرْبَعَةُ في الأرْبَعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ. وأسْقَطَ شَرائِطُ الشَّكْلِ الأوَّلِ اثْنَيْ عَشَرَ، وهو الصُّغْرى السّالِبَةُ الكُلِّيَّةُ مَعَ الكُبْرَياتِ الأرْبَعِ، والصُّغْرى السّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ مَعَ تِلْكَ الأرْبَعِ، وهذه ثَمانِيَةٌ، والكُبْرى المُوجَبَةُ الجُزْئِيَّةُ والسّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ مَعَ الصُّغْرى المُوجَبَةِ الجُزْئِيَّةِ والكُلِّيَّةِ، وهذه أرْبَعَةٌ؛ فبَقِيَ أرْبَعَةُ ضُرُوبٍ مُنْتِجَةٍ. الضَّرْبُ الأوَّلُ مُرَكَّبٌ مِن مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ صُغْرى ومُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً، نحوُ: «كُلُّ ج ب، وكُلُّ ب د» يُنْتِجُ: «ج د». والضَّرْبُ الثّانِي مُؤَلَّفٌ مِن مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ صُغْرى وسالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ سالِبَةً كُلِّيَّةً، نحوُ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، ولا شَيْءَ مِنَ الحَيَوانِ بحَجَرٍ» يُنْتِجُ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ». والضَّرْبُ الثّالِثُ مُلْتَئِمٌ مِن مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرى ومُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، والنَّتِيجَةُ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، نحوُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ فَرَسٌ، وكُلُّ فَرَسٍ صَهّالٌ» يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ صَهّالٌ». والضَّرْبُ الرّابِعُ مُزْدَوِجٌ مِن مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرى وسالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً، كقَوْلِنا: «بَعْضُ الحَيَوانِ ناطِقٌ، ولا شَيْءَ مِنَ النّاطِقِ بناهِقٍ»، فالنَّتِيجَةُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ لَيْسَ بناهِقٍ».

· ص 38

تنبيه

72

إنْتاجُ المُوجَبَةِ الكُلِّيَّةِ مِن خَواصِّ الشَّكْلِ الأوَّلِ، كما أنّ الإنْتاجَ لِلنَّتائِجِ الأرْبَعَةِ أيْضًا مِن خَصائِصِهِ، والصُّغْرى المُمْكِنَةُ غَيْرُ مُنْتِجَةٍ في هذا الشَّكْلِ فَقَطْ. ووَضَحَ بما ذَكَرْنا أنّه لا بُدَّ في هذا الشَّكْلِ كَيْفًا إيجابُ الصُّغْرى، وكَمًّا كُلِّيَّةُ الكُبْرى، وجِهَةً فِعْلِيَّةُ الصُّغْرى.

· ص 40

الدَّرْسُ 17 · الشَّكْلُ الثّانِي وَالثّالِثُ وَالرّابِعُ

الشَّكْلُ الثّانِي وَالثّالِثُ وَالرّابِعُ

فصل

73

ويُشْتَرَطُ في إنْتاجِ الشَّكْلِ الثّانِي بحَسَبِ الكَيْفِ ـ أي الإيجابِ والسَّلْبِ ـ اخْتِلافُ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ فإنْ كانَتِ الصُّغْرى مُوجَبَةً كانَتِ الكُبْرى سالِبَةً، وبالعَكْسِ؛ وبحَسَبِ الكَمِّ ـ أي الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ ـ كُلِّيَّةُ الكُبْرى، وإلّا يَلْزَمِ الاخْتِلافُ المُوجِبُ لعَدَمِ الإنْتاجِ، أي صِدْقُ القِياسِ مَعَ إيجابِ النَّتِيجَةِ تارَةً ومَعَ سَلْبِها أُخْرى. ونَتِيجَةُ هذا الشَّكْلِ لا يَكُونُ إلّا سالِبَةً، وضُرُوبُهُ النّاتِجَةُ أيْضًا أرْبَعَةٌ: أحَدُها مِن كُلِّيَّتَيْنِ والصُّغْرى مُوجَبَةٌ، يُنْتِجُ سالِبَةً كُلِّيَّةً، كقَوْلِنا: «كُلُّ ج ب، ولا شَيْءَ مِن ا ب»، «فلا شَيْءَ مِن ج ا». والدَّلِيلُ على هذا الإنْتاجِ عَكْسُ الكُبْرى؛ فإنّكَ إذا عَكَسْتَ الكُبْرى صارَ «لا شَيْءَ مِن ب ا»، وبانْضِمامِها إلى الصُّغْرى انْتَظَمَ الشَّكْلُ الأوَّلُ، ويُنْتِجُ النَّتِيجَةَ المَطْلُوبَةَ. الضَّرْبُ الثّانِي مِن مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى وسالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ صُغْرى، كقَوْلِنا: «لا شَيْءَ مِن ج ب، وكُلُّ ا ب» يُنْتِجُ: «لا شَيْءَ مِن ج ا». والدَّلِيلُ على الإنْتاجِ عَكْسُ الصُّغْرى وجَعْلُها كُبْرى ثُمَّ عَكْسُ النَّتِيجَةِ. الضَّرْبُ الثّالِثُ مِن مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرى وسالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً، كقَوْلِكَ: «بَعْضُ ج ب، ولا شَيْءَ مِن ا ب»، «فلَيْسَ بَعْضُ ج ا». الضَّرْبُ الرّابِعُ مِن سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرى ومُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً؛ تَقُولُ: «بَعْضُ ج لَيْسَ ب، وكُلُّ ا ب»، «فبَعْضُ ج لَيْسَ ا».

· ص 40

فصل

74

شَرْطُ إنْتاجِ الشَّكْلِ الثّالِثِ كَوْنُ الصُّغْرى مُوجَبَةً، وكَوْنُ أحَدِ المُقَدِّمَتَيْنِ كُلِّيَّةً؛ فضُرُوبُهُ النّاتِجَةُ سِتَّةٌ: أحَدُها «كُلُّ ب ج، وكُلُّ ب ا، فبَعْضُ ج ا»، وثانِيها «كُلُّ ب ج، ولا شَيْءَ مِن ب ا، فبَعْضُ ج لَيْسَ ا»، وثالِثُها «بَعْضُ ب ج، وكُلُّ ب ا، فبَعْضُ ج ا»، ورابِعُها «بَعْضُ ب ج، ولا شَيْءَ مِن ب ا، فبَعْضُ ج لَيْسَ ا»، وخامِسُها «كُلُّ ب ج، وبَعْضُ ب ا، فبَعْضُ ج ا»، وسادِسُها «كُلُّ ب ج، وبَعْضُ ب لَيْسَ ا، فبَعْضُ ج لَيْسَ ا».

· ص 41

فصل

75

وشَرائِطُ إنْتاجِ الشَّكْلِ الرّابِعِ مَعَ كَثْرَتِها وقِلَّةِ جَدْواها مَذْكُورَةٌ في المَبْسُوطاتِ، فلا عَلَيْنا لو تَرَكْنا ذِكْرَها، وكذا شَرائِطُ سائِرِ الأشْكالِ بحَسَبِ الجِهَةِ لا يَتَحَمَّلُ أمْثالُ رِسالَتِي هذه لِبَيانِها.

· ص 41

فائدة

76

ولَعَلَّكَ عَلِمْتَ مِمّا ألْقَيْنا عَلَيْكَ أنّ النَّتِيجَةَ في القِياسِ تَتْبَعُ أدْوَنَ المُقَدِّمَتَيْنِ في الكَيْفِ والكَمِّ، والأدْوَنُ في الكَيْفِ هو السَّلْبُ، وفي الكَمِّ هو الجُزْئِيَّةُ؛ فالقِياسُ مِن مُوجَبَةٍ وسالِبَةٍ يُنْتِجُ سالِبَةً، والمُرَكَّبُ مِن كُلِّيَّةٍ وجُزْئِيَّةٍ إنّما يُنْتِجُ جُزْئِيَّةً. وأمّا المُرَكَّبُ مِنَ الكُلِّيَّتَيْنِ فرُبَّما يُنْتِجُ كُلِّيَّةً، وقد يُنْتِجُ جُزْئِيَّةً.

· ص 41

الدَّرْسُ 18 · الاقْتِرانِيّاتُ الشَّرْطِيَّةُ وَالقِياسُ الاسْتِثْنائِيُّ

الاقْتِرانِيّاتُ الشَّرْطِيَّةُ وَالقِياسُ الاسْتِثْنائِيُّ

فصل في الاقترانيات من الشرطيات

77

وحالُها في انْعِقادِ الأشْكالِ الأرْبَعَةِ والضُّرُوبِ المُنْتِجَةِ والشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ كحالِ الاقْتِرانِيّاتِ مِنَ الحَمْلِيّاتِ سَواءً بسَواءٍ. مِثالُ الشَّكْلِ الأوَّلِ في المُتَّصِلَةِ: «كُلَّما كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا، وكُلَّما كانَ حَيَوانًا كانَ جِسْمًا» يُنْتِجُ: «كُلَّما كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ جِسْمًا». مِثالُ الشَّكْلِ الثّانِي: «كُلَّما كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا، ولَيْسَ البَتَّةَ إذا كانَ حَجَرًا كانَ حَيَوانًا» يُنْتِجُ: «لَيْسَ البَتَّةَ إنْ كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَجَرًا». مِثالُ الثّالِثِ مِنْها: «كُلَّما كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا، وكُلَّما كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ كاتِبًا» يُنْتِجُ: «قد يَكُونُ إذا كانَ زَيْدٌ حَيَوانًا كانَ كاتِبًا». وأمّا الاقْتِرانِيُّ الشَّرْطِيُّ المُؤَلَّفُ مِنَ المُنْفَصِلاتِ فمِثالُهُ مِنَ الشَّكْلِ الأوَّلِ: «إمّا كُلُّ ا ب أو كُلُّ ج د، ودائِمًا كُلُّ د ه أو كُلُّ د ز» يُنْتِجُ: «دائِمًا إمّا كُلُّ ا ب أو كُلُّ ج ه أو كُلُّ د ز». وأمّا الاقْتِرانِيُّ الشَّرْطِيُّ المُرَكَّبُ مِن حَمْلِيَّةٍ ومُتَّصِلَةٍ فكقَوْلِنا: «كُلَّما كانَ ب ج فكُلُّ ج [د]، وكُلُّ [د] ا» يُنْتِجُ: «كُلَّما كانَ ب ج فكُلُّ ج ا». وعلى هذا القِياسِ باقِي التَّرْكِيباتِ.

· ص 42

فصل في القياس الاستثنائي

78

وهو مُرَكَّبٌ مِن مُقَدِّمَتَيْنِ، أي قَضِيَّتَيْنِ، إحْداهُما شَرْطِيَّةٌ والأُخْرى حَمْلِيَّةٌ، ويَتَخَلَّلُ بَيْنَهُما كَلِمَةُ الاسْتِثْناءِ، أعْنِي «إلّا» وأخَواتِها، ومِن ثَمَّ يُسَمّى اسْتِثْنائِيًّا. فإنْ كانَتِ الشَّرْطِيَّةُ مُتَّصِلَةً فاسْتِثْناءُ عَيْنِ المُقَدَّمِ يُنْتِجُ عَيْنَ التّالِي، واسْتِثْناءُ نَقِيضِ التّالِي يُنْتِجُ رَفْعَ المُقَدَّمِ، كما تَقُولُ: «كُلَّما كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النَّهارُ مَوْجُودًا، لكِنَّ الشَّمْسَ طالِعَةٌ» يُنْتِجُ: «فالنَّهارُ مَوْجُودٌ»، «لكِنَّ النَّهارَ لَيْسَ بمَوْجُودٍ» يُنْتِجُ: «فالشَّمْسُ لَيْسَتْ بطالِعَةٍ». وإنْ كانَتْ مُنْفَصِلَةً حَقِيقِيَّةً فاسْتِثْناءُ عَيْنِ أحَدِهِما يُنْتِجُ نَقِيضَ الآخَرِ، وبالعَكْسِ؛ وفي مانِعَةِ الجَمْعِ يُنْتِجُ القِسْمُ الأوَّلُ دُونَ الثّانِي، وفي مانِعَةِ الخُلُوِّ القِسْمُ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ. وهٰهُنا قَدِ انْتَهَتْ مَباحِثُ القِياسِ بالقَوْلِ المُجْمَلِ، والتَّفْصِيلُ مَوْكُولٌ إلى الكُتُبِ الطِّوالِ، والآنَ نَذْكُرُ طَرَفًا مِن لَواحِقِ القِياسِ.

· ص 42

الدَّرْسُ 19 · الاسْتِقْراءُ وَالتَّمْثِيلُ وَقِياسُ الخُلْفِ، وَالمادَّةُ وَالصُّورَةُ

الاسْتِقْراءُ وَالتَّمْثِيلُ وَقِياسُ الخُلْفِ، وَالمادَّةُ وَالصُّورَةُ

فصل

79

الاسْتِقْراءُ هو الحُكْمُ على كُلِّيٍّ بتَتَبُّعِ أكْثَرِ الجُزْئِيّاتِ، كقَوْلِنا: «كُلُّ حَيَوانٍ يُحَرِّكُ فَكَّهُ الأسْفَلَ عِنْدَ المَضْغِ»؛ لأنّا اسْتَقْرَيْنا ـ أي تَتَبَّعْنا ـ الإنْسانَ والفَرَسَ والبَعِيرَ والحَمِيرَ والطُّيُورَ والسِّباعَ فوَجَدْنا كُلَّها كذلك، فحَكَمْنا بَعْدَ تَتَبُّعِ هذه الجُزْئِيّاتِ المُسْتَقْرِيَةِ أنّ كُلَّ حَيَوانٍ يُحَرِّكُ فَكَّهُ الأسْفَلَ عِنْدَ المَضْغِ. والاسْتِقْراءُ لا يُفِيدُ اليَقِينَ، وإنّما يُحَصِّلُ الظَّنَّ الغالِبَ؛ لجَوازِ أنْ لا يَكُونَ جَمِيعُ أفْرادِ هذا الكُلِّيِّ بهذه الحالَةِ، كما يُقالُ: إنّ التِّمْساحَ لَيْسَ على هذه الصِّفَةِ، بل يُحَرِّكُ فَكَّهُ الأعْلى.

· ص 43

فصل

80

التَّمْثِيلُ، وهو إثْباتُ حُكْمٍ في جُزْئِيٍّ لوُجُودِهِ في جُزْئِيٍّ آخَرَ لمَعْنًى جامِعٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُما، كقَوْلِنا: «العالَمُ مُؤَلَّفٌ، فهو حادِثٌ كالبَيْتِ». ولَهُمْ في إثْباتِ أنّ الأمْرَ المُشْتَرَكِ عِلَّةٌ لِلحُكْمِ المَذْكُورِ طُرُقٌ عَدِيدَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الأُصُولِ، وَالعُمْدَةُ فِيها طَرِيقانِ: أَحَدُهُما الدَّوَرانُ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ، وَالقُدَماءُ كانُوا يُسَمُّونَها بِالطَّرْدِ وَالعَكْسِ، وَهُوَ أَنْ يَدُورَ الحُكْمُ مَعَ المَعْنَى المُشْتَرَكِ وُجُودًا وَعَدَمًا، أَيْ إِذا وُجِدَ المَعْنَى وُجِدَ الحُكْمُ، وَإِذا انْتَفَى المَعْنَى انْتَفَى الحُكْمُ؛ فَالدَّوَرانُ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ المَدارِ، أَعْنِي المَعْنَى، عِلَّةً لِلدّائِرِ، أَيِ الحُكْمِ. وَالطَّرِيقُ الثّانِي السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ أَوْصافَ الأَصْلِ، ثُمَّ يُثْبِتُونَ أَنَّ ما وَراءَ المَعْنَى المُشْتَرَكِ غَيْرُ صالِحٍ لِاقْتِضاءِ الحُكْمِ، وَذٰلِكَ لِوُجُودِ تِلْكَ الأَوْصافِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مَعَ تَخَلُّفِ الحُكْمِ عَنْهُ. مَثَلًا فِي المِثالِ المَذْكُورِ يَقُولُونَ: إِنَّ عِلَّةَ حُدُوثِ البَيْتِ إِمّا الإِمْكانُ أَوِ الوُجُودُ أَوِ الجَوْهَرِيَّةُ أَوِ الجِسْمِيَّةُ أَوِ التَّأْلِيفُ، وَلا شَيْءَ مِنَ المَذْكُوراتِ غَيْرَ التَّأْلِيفِ بِصالِحٍ لِكَوْنِهِ عِلَّةً لِلحُدُوثِ، وَإِلّا لَكانَ كُلُّ مُمْكِنٍ وَكُلُّ جَوْهَرٍ وَكُلُّ مَوْجُودٍ وَكُلُّ جِسْمٍ حادِثًا، مَعَ أَنَّ الواجِبَ تَعالَى وَالجَواهِرَ المُجَرَّدَةَ وَالأَجْسامَ الأَثِيرِيَّةَ لَيْسَتْ كَذٰلِكَ.

· ص 43

فَصْلٌ

81

وَمِنَ الأَقْيِسَةِ المُرَكَّبَةِ قِياسٌ يُسَمَّى قِياسَ الخُلْفِ، وَمَرْجِعُهُ إِلَى قِياسَيْنِ: أَحَدُهُما اقْتِرانِيٌّ شَرْطِيٌّ مُرَكَّبٌ مِنَ المُتَّصِلَتَيْنِ، وَثانِيهِما اسْتِثْنائِيٌّ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْهِ لُزُومِيَّةٌ، أَعْنِي نَتِيجَةَ القِياسِ الأَوَّلِ، وَالمُقَدِّمَةُ الأُخْرَى مِمّا اسْتُثْنِيَ فِيهِ نَقِيضُ التّالِي. تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقالَ: المُدَّعَى ثابِتٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتِ المُدَّعَى يَثْبُتْ نَقِيضُهُ، وَكُلَّما ثَبَتَ نَقِيضُهُ ثَبَتَ المُحالُ، يُنْتِجُ: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ المُدَّعَى ثَبَتَ المُحالُ، وَهٰذا أَوَّلُ القِياسَيْنِ. ثُمَّ نَجْعَلُ النَّتِيجَةَ المَذْكُورَةَ صُغْرَى فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ المُدَّعَى ثَبَتَ المُحالُ، وَنَضُمُّ كُبْرَى اسْتِثْنائِيًّا وَنَقُولُ: لٰكِنَّ المُحالَ لَيْسَ بِثابِتٍ، فَبِالضَّرُورَةِ ثَبَتَ المُدَّعَى، وَإِلّا لَزِمَ ارْتِفاعُ النَّقِيضَيْنِ. وَإِنِ اشْتَهَيْتَ فَهْمَ هٰذا المَعْنَى فِي مِثالٍ جُزْئِيٍّ تَقُولُ: «كُلُّ إِنْسانٍ حَيَوانٌ» صادِقٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُقْ لَصَدَقَ «بَعْضُ الإِنْسانِ لَيْسَ بِحَيَوانٍ»، وَكُلَّما صَدَقَ «بَعْضُ الإِنْسانِ لَيْسَ بِحَيَوانٍ» لَزِمَ المُحالُ، يُنْتِجُ: كُلَّما لَمْ يَصْدُقِ المُدَّعَى لَزِمَ المُحالُ، لٰكِنَّ المُحالَ لَيْسَ بِثابِتٍ، فَعَدَمُ ثُبُوتِ المُدَّعَى لَيْسَ بِثابِتٍ، فَالمُدَّعَى ثابِتٌ.

· ص 44

فَصْلٌ

82

يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ قِياسٍ لا بُدَّ لَهُ مِنْ صُورَةٍ وَمادَّةٍ؛ أَمّا الصُّورَةُ فَهُوَ الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِنْ تَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ وَوَضْعِ بَعْضِها عِنْدَ بَعْضٍ، وَقَدْ عَرَفْتَ الأَشْكالَ الأَرْبَعَةَ المُنْتِجَةَ وَعَلِمْتَ شَرائِطَها فِي الإِنْتاجِ، بَقِيَ أَمْرُ المادَّةِ. وَالقُدَماءُ حَتَّى الشَّيْخُ الرَّئِيسُ كانُوا أَشَدَّ اهْتِمامًا فِي تَفْصِيلِ مَوادِّ الأَقْيِسَةِ وَتَوْضِيحِها، وَأَكْثَرَ اعْتِناءً عَنِ البَحْثِ فِي بَسْطِها وَتَنْقِيحِها؛ وَذٰلِكَ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ هٰذا أَتَمُّ فائِدَةً وَأَشْمَلُ عائِدَةً لِطالِبِي الصِّناعَةِ، لٰكِنَّ المُتَأَخِّرِينَ قَدْ طَوَّلُوا الكَلامَ فِي بَيانِ صُوَرِ الأَقْيِسَةِ، وَبَسَطُوا فِيها غايَةَ البَسْطِ، سِيَّما فِي أَقْيِسَةِ الشَّرْطِيّاتِ المُتَّصِلَةِ وَالمُنْفَصِلَةِ، مَعَ قِلَّةِ جَدْوَى فِي هٰذِهِ المَباحِثِ، وَرَفَضُوا أَمْرَ المادَّةِ، وَاقْتَصَرُوا فِي بَيانِها عَلَى بَيانِ حُدُودِ الصِّناعاتِ الخَمْسِ، وَلا أَدْرِي أَيُّ أَمْرٍ دَعاهُمْ إِلَى ذٰلِكَ، وَأَيُّ أَمْرٍ باعِثٍ أَغْراهُمْ هُنالِكَ. وَلا بُدَّ لِلفَطِنِ اللَّبِيبِ أَنْ يَهْتَمَّ فِي هٰذِهِ المَباحِثِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الباهِرَةِ البُرْهانِ غايَةَ الاهْتِمامِ، وَيَطْلُبَ ذٰلِكَ المَطْلَبَ العَظِيمَ وَالمَقْصِدَ الفَخِيمَ مِنْ كُتُبِ القُدَماءِ المَهَرَةِ وَزُبُرِ الأَقْدَمِينَ السَّحَرَةِ. فَعَلَيْكَ أَيُّها الوَلَدُ العَزِيزُ أَنْ تَسْمَعَ نَصِيحَتِي وَلا تَنْسَ وَصِيَّتِي، وَإِنَّما أُلْقِي عَلَيْكَ نُبَذًا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهٰذِهِ الصِّناعاتِ مُتَوَكِّلًا عَلَى كافِي المُهِمّاتِ. فَاسْمَعْ أَنَّ القِياسَ بِاعْتِبارِ المادَّةِ يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسامٍ خَمْسَةٍ، وَيُقالُ لَها الصِّناعاتُ الخَمْسَةُ: أَحَدُها البُرْهانِيُّ، وَالثّانِي الجَدَلِيُّ، وَالثّالِثُ الخَطابِيُّ، وَالرّابِعُ الشِّعْرِيُّ، وَالخامِسُ السَّفْسَطِيُّ.

· ص 45

الصِّناعاتُ الخَمْسُ (al-ṣināʿāt al-khams)

الصِّناعاتُ الخَمْسُ

الدَّرْسُ 20 · البُرْهانُ

البُرْهانُ

فَصْلٌ فِي البُرْهانِ وَما يَتَعَلَّقُ بِهِ

83

اعْلَمْ أَنَّ البُرْهانَ قِياسٌ مُؤَلَّفٌ مِنَ اليَقِينِيّاتِ، بَدِيهِيَّةً كانَتْ أَوْ نَظَرِيَّةً مُنْتَهِيَةً إِلَيْها، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَما زُعِمَ أَنَّ البُرْهانَ إِنَّما يَتَأَلَّفُ مِنَ البَدِيهِيّاتِ فَحَسْبُ. ثُمَّ البَدِيهِيّاتُ سِتَّةٌ: أَحَدُها الأَوَّلِيّاتُ، وَهِيَ قَضايا يَجْزِمُ العَقْلُ فِيها بِمُجَرَّدِ الالْتِفاتِ وَالتَّصَوُّرِ، وَلا يَحْتاجُ إِلَى واسِطَةٍ، كَقَوْلِكَ: «الكُلُّ أَعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ». وَثانِيها الفِطْرِيّاتُ، وَهِيَ ما يُفْتَقَرُ إِلَى واسِطَةٍ غَيْرِ غائِبَةٍ عَنِ الذِّهْنِ أَصْلًا، وَيُقالُ لِهٰذِهِ القَضايا: قَضايا قِياساتُها مَعَها، نَحْوُ: «الأَرْبَعَةُ زَوْجٌ»؛ فَإِنَّ مَنْ تَصَوَّرَ مَفْهُومَ الأَرْبَعَةِ، وَتَصَوَّرَ مَفْهُومَ الزَّوْجِ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْقَسِمُ بِمُتَساوِيَيْنِ، حَكَمَ بَداهَةً بِأَنَّ الأَرْبَعَةَ زَوْجٌ؛ وَنَحْوُ قَوْلِنا: «الواحِدُ نِصْفُ الاثْنَيْنِ»؛ فَإِنَّ العَقْلَ يَحْكُمُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يُلاحِظَ مَفْهُومَ نِصْفِ الاثْنَيْنِ وَالواحِدِ. وَثالِثُها الحَدْسِيّاتُ، وَهُوَ ظُهُورُ المَبادِي دَفْعَةً واحِدَةً مِنْ دُونِ أَنْ يَكُونَ هُناكَ حَرَكَةٌ فِكْرِيَّةٌ. وَالفَرْقُ بَيْنَ الحَدْسِ وَالفِكْرِ أَنَّهُ لا بُدَّ فِي الفِكْرِ مِنَ الحَرَكَتَيْنِ لِلنَّفْسِ، بِخِلافِ الحَدْسِ؛ فَإِنَّ الذِّهْنَ بَعْدَ ما حَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ بِوَجْهٍ ما يَتَحَرَّكُ فِي المَعانِي المَخْزُونَةِ وَالمَبادِي المَكْنُونَةِ طالِبًا لِما يَكُونُ لَها تَناسُبٌ بِالمَطْلُوبِ، حَتَّى يَجِدَ مَعْلُوماتٍ مُناسِبَةً لَهُ، فَهٰهُنا تَمَّ الحَرَكَةُ الأُولَى، ثُمَّ يَرْجِعُ القَهْقَرَى وَيَتَحَرَّكُ ثانِيًا مُرَتِّبًا لِتِلْكَ المَعْلُوماتِ المَخْزُونَةِ الَّتِي وَجَدَها تَرْتِيبًا تَدْرِيجِيًّا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى المَطْلُوبِ، وَتَمَّ الحَرَكَةُ الثّانِيَةُ، فَمَجْمُوعُ هاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ يُسَمَّى بِالفِكْرِ. مَثَلًا: إِذا كُنْتَ تَصَوَّرْتَ الإِنْسانَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَالكاتِبِ وَالضّاحِكِ مَثَلًا، ثُمَّ صِرْتَ طالِبًا لِماهِيَّةِ الإِنْسانِ، فَحَرَّكْتَ ذِهْنَكَ نَحْوَ المَعانِي الَّتِي عِنْدَكَ مَخْزُونَةً، فَوَجَدْتَ الحَيَوانَ وَالنّاطِقَ مُناسِبًا لِمَطْلُوبِكَ، فَتَمَّ الحَرَكَةُ الأُولَى، وَمَبْدَؤُهُ المَطْلُوبُ المَعْلُومُ مِنْ وَجْهٍ، وَمُنْتَهاهُ الحَيَوانُ وَالنّاطِقُ. ثُمَّ تُرَتِّبُ الحَيَوانَ وَالنّاطِقَ بِأَنْ تُقَدِّمَ الحَيَوانَ الَّذِي هُوَ الجِنْسُ عَلَى النّاطِقِ، هُوَ الفَصْلُ، وَقُلْتَ: الحَيَوانُ النّاطِقُ، وَهٰهُنا انْقَطَعَ الحَرَكَةُ الثّانِيَةُ وَحَصَلَ المَطْلُوبُ. وَأَمّا الحَدْسُ فَفِيهِ انْتِقالُ الذِّهْنِ مِنَ المَطْلُوبِ إِلَى المَبادِي دَفْعَةً، وَمِنْها إِلَى المَطْلُوبِ كَذٰلِكَ، وَأَكْثَرُ ما يَكُونُ الحَدْسُ عَقِيبَ الشَّوْقِ وَالتَّعَبِ، وَقَدْ تَكُونُ بِدُونِهِما. وَالنّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الحَدْسِ: فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ قَوِيُّ الحَدْسِ كَثِيرُهُ، يَحْصُلُ لَهُ مِنَ المَطالِبِ أَكْثَرُها بِالحَدْسِ، كَالمُؤَيَّدِ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ كَالحُكَماءِ وَالأَوْلِياءِ وَالأَنْبِياءِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ قَلِيلُ الحَدْسِ ضَعِيفُهُ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ لا حَدْسَ لَهُ، كَالمُنْتَهِي فِي البَلادَةِ. وَمِنْ هٰذا يُعْلَمُ أَنَّ البَداهَةَ وَالنَّظَرِيَّةَ مُخْتَلِفانِ بِالأَشْخاصِ وَالأَوْقاتِ؛ فَرُبَّ حَدْسِيٍّ عِنْدَ فاقِدِ القُوَّةِ القُدْسِيَّةِ يَكُونُ نَظَرِيًّا، وَبَدِيهِيًّا عِنْدَ صاحِبِها. وَرابِعُها المُشاهَداتُ، وَهِيَ القَضايا يُحْكَمُ فِيها بِواسِطَةِ المُشاهَدَةِ وَالإِحْساسِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الأَوَّلُ ما شُوهِدَ بِإِحْدَى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وَهِيَ خَمْسٌ: الباصِرَةُ وَالسّامِعَةُ وَالشّامَّةُ وَالذّائِقَةُ وَاللّامِسَةُ، وَيُسَمَّى هٰذا القِسْمُ بِالحِسِّيّاتِ؛ وَالثّانِي ما أُدْرِكَ بِالمُدْرِكاتِ مِنَ الحَواسِّ الباطِنَةِ الَّتِي هِيَ أَيْضًا خَمْسٌ: الحِسُّ المُشْتَرَكُ المُدْرِكُ لِلصُّوَرِ، وَالخَيالُ الَّتِي هِيَ خِزانَةٌ لَهُ، وَالوَهْمُ المُدْرِكُ لِلمَعانِي الشَّخْصِيَّةِ وَالجُزْئِيَّةِ، وَالحافِظَةُ الَّتِي هِيَ خِزانَةٌ لِلمَعانِي الجُزْئِيَّةِ، وَالمُتَصَرِّفَةُ الَّتِي تَتَصَرَّفُ فِي الصُّوَرِ وَالمَعانِي بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّرْكِيبِ، وَيُسَمَّى هٰذا القِسْمُ بِالوِجْدانِيّاتِ؛ وَمُدْرَكاتُ العَقْلِ الصِّرْفِ، أَعْنِي الكُلِّيّاتِ، غَيْرُ مُنْدَرِجٍ فِي هٰذا القِسْمِ. مِثالُ القِسْمِ الثّانِي: كَما حَكَمْنا بِأَنَّ لَنا جُوعًا أَوْ عَطَشًا. وَخامِسُها التَّجْرِبِيّاتُ، وَهِيَ قَضايا يَحْكُمُ العَقْلُ بِها بِواسِطَةِ تَكْرارِ المُشاهَدَةِ وَعَدَمِ التَّخَلُّفِ حُكْمًا كُلِّيًّا، كَالحُكْمِ بِأَنَّ شُرْبَ السَّقَمُونْيا مُسْهِلٌ لِلصَّفْراءِ. وَسادِسُها المُتَواتِراتُ، وَهِيَ قَضايا يُحْكَمُ بِها بِواسِطَةِ إِخْبارِ جَماعَةٍ يَسْتَحِيلُ العَقْلُ تَواطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ عَدَدِ هٰذِهِ الجَماعَةِ: قِيلَ: إِنَّ أَقَلَّهُ أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ؛ وَالأَشْبَهُ أَنَّ هٰذا العَدَدَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالِ الَّذِينَ أَخْبَرُوهُ وَاخْتِلافِ الواقِعَةِ، فَلا يَتَعَيَّنُ عَدَدٌ، وَالضّابِطَةُ أَنْ يَبْلُغَ إِلَى حَدٍّ يُفِيدُ اليَقِينَ. فَهٰذِهِ السِّتَّةُ هِيَ مَبادِي البَراهِينِ، وَمَقاطِعُ الدَّلِيلِ، وَمُنْتَهَى اليَقِينِ.

· ص 46

فائِدَةٌ

84

زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ المُقَدِّماتِ النَّقْلِيَّةَ لا تُسْتَعْمَلُ فِي القِياسِ البُرْهانِيِّ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ النَّقْلَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الغَلَطُ وَالخَطَأُ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَبادِيَ القِياسِ البُرْهانِيِّ الَّذِي يُفِيدُ القَطْعَ؟ وَإِنَّ هٰذا الظَّنَّ إِثْمٌ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ كَثِيرًا ما يُفِيدُ القَطْعَ إِذا رُوعِيَ فِيهِ شَرائِطُ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ العَقْلُ. نَعَمْ، لَوْ قِيلَ: إِنَّ النَّقْلَ الصِّرْفَ بِلا اعْتِبارِ انْضِمامِ العَقْلِ مَعَهُ لا يُعْتَبَرُ وَلا يُفِيدُ، لَكانَ لَهُ وَجْهٌ.

· ص 49

فَصْلٌ

85

البُرْهانُ قِسْمانِ: لِمِّيٌّ وَإِنِّيٌّ. أَمّا اللِّمِّيُّ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ الأَوْسَطُ فِيهِ عِلَّةً لِثُبُوتِ الأَكْبَرِ لِلأَصْغَرِ فِي الواقِعِ، كَما أَنَّهُ واسِطَةٌ فِي الحُكْمِ، يُسَمَّى بِهِ لِإِفادَتِهِ اللِّمِّيَّةَ وَالعِلِّيَّةَ. وَأَمّا الإِنِّيُّ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ الأَوْسَطُ فِيهِ عِلَّةً لِلحُكْمِ فِي الذِّهْنِ فَقَطْ، وَلَمْ يَكُنْ عِلَّةً فِي الواقِعِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعْلُولًا لَهُ. مِثالُ اللِّمِّيِّ قَوْلُكَ: «زَيْدٌ مَحْمُومٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَفِّنُ الأَخْلاطِ، وَكُلُّ مُتَعَفِّنِ الأَخْلاطِ مَحْمُومٌ، فَزَيْدٌ مَحْمُومٌ»؛ فَكَما أَنَّ فِي هٰذا القِياسِ الأَوْسَطَ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الحُمَّى لِزَيْدٍ فِي ذِهْنِكَ، كَذٰلِكَ هُوَ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الحُمَّى فِي الواقِعِ. وَمِثالُ الإِنِّيِّ قَوْلُكَ: «زَيْدٌ مُتَعَفِّنُ الأَخْلاطِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُومٌ، وَكُلُّ مَحْمُومٍ مُتَعَفِّنُ الأَخْلاطِ، فَزَيْدٌ مُتَعَفِّنُ الأَخْلاطِ»؛ فَوُجُودُ الحُمَّى عِلَّةٌ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مُتَعَفِّنَ الأَخْلاطِ فِي ذِهْنِكَ، وَلَيْسَ عِلَّةً فِي نَفْسِ الأَمْرِ، بَلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ فِي الواقِعِ بِالعَكْسِ.

· ص 50

الدَّرْسُ 21 · الجَدَلُ وَالخَطابَةُ وَالشِّعْرُ وَالمُغالَطَةُ

الجَدَلُ وَالخَطابَةُ وَالشِّعْرُ وَالمُغالَطَةُ

فَصْلٌ

86

القِياسُ الجَدَلِيُّ قِياسٌ مُرَكَّبٌ مِنْ مُقَدِّماتٍ مَشْهُورَةٍ أَوْ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ الخَصْمِ، صادِقَةً كانَتْ أَوْ كاذِبَةً. وَالأَوَّلُ ما تَطابَقَ فِيهِ آراءُ قَوْمٍ: إِمّا لِمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ، نَحْوُ: «العَدْلُ حَسَنٌ» وَ«الظُّلْمُ قَبِيحٌ» وَ«قَتْلُ السّارِقِ واجِبٌ»؛ أَوْ لِرِقَّةٍ قَلْبِيَّةٍ، كَقَوْلِ أَهْلِ الهِنْدِ: «ذَبْحُ الحَيَوانِ مَذْمُومٌ»؛ أَوِ انْفِعالاتٍ خُلُقِيَّةٍ أَوْ مِزاجِيَّةٍ؛ فَإِنَّ لِلأَمْزِجَةِ وَالعاداتِ دَخْلًا عَظِيمًا فِي الاعْتِقاداتِ، فَأَصْحابُ الأَمْزِجَةِ الشَّدِيدَةِ يَرَوْنَ الانْتِقامَ مِنْ أَهْلِ الشَّرارَةِ حَسَنًا، وَأَصْحابُ الأَمْزِجَةِ اللَّيِّنَةِ يَرَوْنَ العَفْوَ خَيْرًا؛ وَلِذٰلِكَ تَرَى النّاسَ مُخْتَلِفِينَ فِي العاداتِ وَالرُّسُومِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ مَشْهُوراتٌ خاصَّةٌ بِهِمْ، وَكَذا لِكُلِّ صِناعَةٍ؛ فَمِنْ مَشْهُوراتِ النَّحْوِيِّينَ: «الفاعِلُ مَرْفُوعٌ، وَالمَفْعُولُ مَنْصُوبٌ، وَالمُضافُ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ»، وَمِنْ مَشْهُوراتِ الأُصُولِيِّينَ: «الأَمْرُ لِلوُجُوبِ». وَالثّانِي ما يُؤَلَّفُ مِنَ المُسَلَّماتِ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ. وَلِلمَشْهُوراتِ شَبَهٌ بِالأَوَّلِيّاتِ، وَتَجْرِيدُ الذِّهْنِ وَتَدْقِيقُ النَّظَرِ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما. وَالغَرَضُ مِنْ صِناعَةِ الجَدَلِ إِلْزامُ الخَصْمِ وَحِفْظُ الرَّأْيِ.

· ص 50

فَصْلٌ

87

القِياسُ الخَطابِيُّ قِياسٌ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ، وَمُقَدِّماتُهُ مَقْبُولاتٌ مَأْخُوذاتٌ مِمَّنْ يُحْسَنُ الظَّنُّ فِيهِمْ، كَالأَوْلِياءِ وَالحُكَماءِ. وَأَمّا المَأْخُوذاتُ مِنَ الأَنْبِياءِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نَبِيِّنا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَلَيْسَتْ مِنَ الخَطابَةِ؛ لِأَنَّها أَخْبارٌ صادِقَةٌ مِنْ مُخْبِرٍ صادِقٍ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ المُعْجِزَةُ، وَلا مَجالَ لِلوَهْمِ فِيها حَتَّى يَتَطَرَّقَ إِلَيْها الخَطَأُ وَالخَلَلُ، فَالقِياسُ المُرَكَّبُ مِنْها بُرْهانِيٌّ قَطْعِيُّ المُقَدِّماتِ؛ أَوْ مَظْنُوناتٌ يُحْكَمُ فِيها بِسَبَبِ الرُّجْحانِ، وَيَنْدَرِجُ فِيها الحَدْسِيّاتُ وَالتَّجْرِبِيّاتُ وَالمُتَواتِراتُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ إِلَى حَدِّ الجَزْمِ، بِسَبَبِ عَدَمِ شُعُورِ العِلَّةِ، أَوْ عَدَمِ بُلُوغِ عَدَدِ المُخْبِرِينَ إِلَى مَبْلَغِ التَّواتُرِ. وَلِهٰذِهِ الصِّناعَةِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي تَنْظِيمِ أُمُورِ المَعاشِ وَتَنْسِيقِ أَحْكامِ المَعادِ، إِمّا بِاسْتِعْمالِها أَوْ بِالاحْتِرازِ عَنْها؛ وَلِذٰلِكَ كِبارُ الحُكَماءِ يَسْتَعْمِلُونَ تِلْكَ الصِّناعَةَ كَثِيرًا، وَيَعِظُونَ بِالكَلامِ الخَطابِيِّ جَمًّا غَفِيرًا، لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ المُقَدِّماتُ المُسْتَعْمَلَةُ فِيها مُقْنِعَةً لِلسّامِعِينَ، مُفِيدَةً لِلواعِظِينَ.

· ص 51

فَصْلٌ

88

القِياسُ الشِّعْرِيُّ قِياسٌ مُؤَلَّفٌ مِنَ المُخَيَّلاتِ، الصّادِقَةِ أَوِ الكاذِبَةِ، المُسْتَحِيلَةِ أَوِ المُمْكِنَةِ، المُؤَثِّرَةِ فِي النَّفْسِ قَبْضًا وَبَسْطًا؛ وَلِلنَّفْسِ مُطاوَعَةٌ لِلتَّخْيِيلِ كَمُطاوَعَتِهِ لِلتَّصْدِيقِ، بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ. وَالغَرَضُ مِنْ هٰذِهِ الصِّناعَةِ أَنْ تَنْفَعِلَ النَّفْسُ بِالتَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ. وَاشْتُرِطَ فِي الشِّعْرِ أَنْ يَكُونَ الكَلامُ جارِيًا عَلَى قانُونِ اللُّغَةِ، مُشْتَمِلًا عَلَى اسْتِعاراتٍ بَدِيعَةٍ رائِقَةٍ، وَتَشْبِيهاتٍ أَنِيقَةٍ فائِقَةٍ، بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا، وَيُورِثُ فِيها حالًا يُوجِبُ تَرَحًا أَوْ فَرَحًا، ثُمَّ لا يَجُوزُ فِيهِ اسْتِعْمالُ الأَوَّلِيّاتِ الصّادِقَةِ، وَيُسْتَحْسَنُ اسْتِعْمالُ المُخَيَّلاتِ الكاذِبَةِ، كَما قالَ العارِفُ الگَنْجَوِيُّ مُخاطِبًا لِوَلَدِهِ وَفِلْذَةِ كَبِدِهِ، بَيْتٌ: «در شعر مپیچ و در فن او * چون اکذب اوست احسن او». وَكَقَوْلِ القائِلِ يَصِفُ الخَنْدَرِيسَ: «لَها البَدْرُ كَأْسٌ وَهْيَ شَمْسٌ يُدِيرُها * هِلالٌ، وَكَمْ يَبْدُو إِذا مُزِجَتْ نَجْمُ». وَقالَ الشّاعِرُ، شِعْرٌ: «لا تَعْجَبُوا مِنْ بِلَى غِلالَتِهِ * قَدْ زُرَّ أَزْرارُهُ عَلَى القَمَرِ»؛ فَشَبَّهَ المَحْبُوبَ بِالقَمَرِ، وَقالَ: لا تَعْجَبُوا مِنِ انْشِقاقِ غِلالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَمَرٌ زُرَّ عَلَيْهِ الغِلالَةُ، وَكُلُّ قَمَرٍ كَذٰلِكَ فَغِلالَتُهُ تَنْشَقُّ، يُنْتِجُ: غِلالَةُ المَحْبُوبِ تَنْشَقُّ. وَقَدْ يُنْتِجُ اجْتِماعَ النَّقِيضَيْنِ، نَحْوُ: «أَنا مُضْمِرُ الحَوائِجِ بِاللِّسانِ، مُظْهِرُها بِالمَدامِعِ، وَكُلُّ مُضْمِرِ الحَوائِجِ صامِتٌ، وَكُلُّ مُظْهِرِها مُتَكَلِّمٌ»، يُنْتِجُ: «أَنا صامِتٌ مُتَكَلِّمٌ». وَلا يُشْتَرَطُ الوَزْنُ فِي الشِّعْرِ عِنْدَ أَرْبابِ المِيزانِ، نَعَمْ يُفِيدُهُ حُسْنًا، وَالكَلامُ الشِّعْرِيُّ إِذا أُنْشِدَ بِصَوْتٍ طَيِّبٍ ازْدادَ تَأْثِيرُهُ فِي النُّفُوسِ، حَتَّى رُبَّما يُزِيلُ فَرْطُ البَهْجَةِ العَمائِمَ عَنِ الرُّؤُوسِ. وَالأَوائِلُ مِنَ الحُكَماءِ اليُونانِيِّينَ كانُوا أَحْرَصَ النّاسِ عَلَى الشِّعْرِ.

· ص 52

فَصْلٌ

89

القِياسُ السَّفْسَطِيُّ، وَهُوَ قِياسٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الوَهْمِيّاتِ الكاذِبَةِ المُخْتَرَعَةِ لِلوَهْمِ، كَقِياسِ غَيْرِ المَحْسُوسِ عَلَى المَحْسُوسِ، نَحْوُ: «كُلُّ مَوْجُودٍ مُشارٌ إِلَيْهِ». وَلِلوَهْمِيّاتِ مُشابَهَةٌ شَدِيدَةٌ بِالأَوَّلِيّاتِ، وَلَوْلا رَدُّ العَقْلِ وَالشَّرْعِ حُكْمَ الوَهْمِ لَدامَ الالْتِباسُ بَيْنَهُما؛ أَوْ مِنَ الكاذِبَةِ المُشَبَّهاتِ بِالصّادِقَةِ، وَهِيَ قَضايا يَعْتَقِدُها العَقْلُ بِأَنَّها أَوَّلِيَّةٌ أَوْ مَشْهُورَةٌ أَوْ مَقْبُولَةٌ أَوْ مُسَلَّمَةٌ، لِمَكانِ الاشْتِباهِ بِها لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، فَتُوقِعُ فِي الغَلَطِ. وَهٰذِهِ الصِّناعَةُ كاذِبَةٌ مُمَوَّهَةٌ، غَيْرُ نافِعَةٍ بِالذّاتِ، نَعَمْ نافِعَةٌ بِالعَرَضِ، بِأَنَّ صاحِبَها لا يَغْلَطُ وَلا يُغالَطُ، وَيَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُغالِطَ غَيْرَهُ، وَأَنْ يَمْتَحِنَ بِها أَوْ يُعانِدَهُ. وَصاحِبُ هٰذِهِ الصِّناعَةِ إِنْ قابَلَ الحَكِيمَ يُسَمَّى سُوفِسْطائِيًّا، فَهٰذِهِ الصِّناعَةُ سَفْسَطَةٌ، أَيْ حِكْمَةٌ مُمَوَّهَةٌ مُلَمَّعَةٌ، وَإِلّا فَيُسَمَّى مُشاغِبِيًّا، وَهٰذِهِ مُشاغَبَةٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَصاحِبُهُ غالِطٌ فِي نَفْسِهِ، مُغالِطٌ لِغَيْرِهِ، وَصِناعَتُهُ مُغالَطَةٌ، وَهِيَ قِياسٌ فاسِدٌ: إِمّا مِنْ جِهَةِ المادَّةِ فَقَطْ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَقَطْ، أَوْ كِلَيْهِما.

· ص 53

الدَّرْسُ 22 · أَسْبابُ الغَلَطِ

أَسْبابُ الغَلَطِ

فَصْلٌ فِي أَسْبابِ الغَلَطِ

90

اعْلَمْ أَنَّ أَسْبابَ الغَلَطِ مَعَ كَثْرَتِها راجِعَةٌ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُما سُوءُ الفَهْمِ فَقَطْ، وَثانِيهِما اشْتِباهُ الكَواذِبِ بِالصَّوادِقِ. وَالأَوَّلُ إِنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ انْغِماسِ النَّفْسِ فِي ظُلُماتِ الوَهْمِ، حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الكَواذِبَ صادِقَةً بَلْ ضَرُورِيَّةً، نَحْوُ: «كُلُّ ما لَيْسَ بِمُبْصَرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فَالهَواءُ لَيْسَ بِجِسْمٍ». وَأَمّا الثّانِي فَفِيهِ تَفْصِيلٌ عَلَى ما سَيَأْتِي. وَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: تَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ واحِدٍ، وَهُوَ عَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَشِبْهِهِ فَقَطْ.

· ص 54

فَصْلٌ

91

عَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَشِبْهِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى ما يَتَعَلَّقُ بِالأَلْفاظِ وَإِلَى ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعانِي. القِسْمُ الأَوَّلُ، أَعْنِي ما يَتَعَلَّقُ بِالأَلْفاظِ، قِسْمانِ: الأَوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِالأَلْفاظِ لا مِنْ جِهَةِ التَّرْكِيبِ، وَالثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنْ حَيْثُ التَّرْكِيبُ. ثُمَّ المُتَعَلِّقُ بِالأَلْفاظِ لا مِنْ جِهَةِ التَّرْكِيبِ قِسْمانِ: الأَوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِالأَلْفاظِ أَنْفُسِها، وَذٰلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الأَلْفاظُ مُخْتَلِفَةً فِي الدَّلالَةِ، فَيَقَعُ فِيهِ الاشْتِباهُ فِيما هُوَ المَرامُ، كَالغَلَطِ الواقِعِ بِسَبَبِ كَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَوْنِ أَحَدِ مَعانِيهِ حَقِيقِيًّا وَالأُخَرِ مَجازِيًّا، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الاسْتِعارَةُ وَأَمْثالُها، وَكُلُّ ذٰلِكَ يُسَمَّى بِالاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ. كَما تَقُولُ لِعَيْنِ الماءِ: «هٰذِهِ عَيْنٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ، فَهٰذِهِ العَيْنُ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ»؛ أَوْ تَقُولُ: «زَيْدٌ أَسَدٌ، وَكُلُّ أَسَدٍ لَهُ مَخالِبُ، فَزَيْدٌ لَهُ مَخالِبُ». وَالغَلَطُ فِي الأَوَّلِ كَوْنُ لَفْظِ العَيْنِ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَ عَيْنِ الماءِ وَالشَّمْسِ، وَفِي الثّانِي كَوْنُ إِطْلاقِ لَفْظِ الأَسَدِ عَلَى زَيْدٍ مَجازِيًّا، وَعَلَى الحَيَوانِ المُفْتَرِسِ حَقِيقِيًّا. وَالثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِالأَلْفاظِ بِسَبَبِ التَّصْرِيفِ، كَالاشْتِباهِ الواقِعِ فِي لَفْظِ المُخْتارِ؛ فَإِنَّهُ إِذا كانَ بِمَعْنَى الفاعِلِ كانَ أَصْلُهُ مُخْتَيِرًا بِكَسْرِ الياءِ، وَإِذا كانَ بِمَعْنَى المَفْعُولِ كانَ أَصْلُهُ مُخْتَيَرًا بِفَتْحِها؛ أَوْ بِسَبَبِ الإِعْجامِ وَالإِعْرابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: «غلام حسن» مِنْ غَيْرِ إِعْرابٍ، فَيُظَنُّ تارَةً تَرْكِيبًا تَوْصِيفِيًّا، وَالأُخْرَى تَرْكِيبًا إِضافِيًّا. وَالمُتَعَلِّقُ بِالأَلْفاظِ مِنْ جِهَةِ التَّرْكِيبِ: فَإِمّا بِالنَّظَرِ إِلَى اخْتِلافِ المَرْجِعِ، نَحْوُ: «ما يَعْلَمُهُ الحَكِيمُ فَهُوَ يَعْمَلُ بِما يَعْلَمُهُ»، فَإِنْ عادَ الضَّمِيرُ إِلَى الحَكِيمِ صَدَقَ، وَإِلّا كَذَبَ؛ وَإِمّا بِإِفْرادِ المُرَكَّبِ، نَحْوُ: «النّارَنْجُ حُلْوٌ حامِضٌ» صادِقٌ، وَإِنْ أُفْرِدَ وَقِيلَ: «هٰذا حُلْوٌ وَحامِضٌ» لَمْ يَصْدُقْ؛ وَإِمّا بِجَمْعِ المُنْفَصِلِ، نَحْوُ: «زَيْدٌ طَبِيبٌ وَماهِرٌ» صَدَقَ، وَإِنْ جُمِعَ وَقِيلَ: «طَبِيبٌ ماهِرٌ» كَذَبَ.

· ص 54

الدَّرْسُ 23 · الأَغالِيطُ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى

الأَغالِيطُ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى

فَصْلٌ فِي الأَغالِيطِ الَّتِي تَقَعُ بِسَبَبِ المَعْنَى

92

وَهٰذا أَيْضًا أَقْسامٌ؛ لِأَنَّها إِمّا مِنْ جِهَةِ المادَّةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ. أَمّا الَّتِي مِنْ جِهَةِ المادَّةِ: كَما يَكُونُ بِحَيْثُ إِذا رُتِّبَ المَعانِي فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ صادِقًا لَمْ يَكُنْ قِياسًا، وَإِذا رُتِّبَ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ قِياسًا لَمْ يَكُنْ صادِقًا، كَقَوْلِكَ: «الإِنْسانُ ناطِقٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ ناطِقٌ، وَلا شَيْءَ مِنَ النّاطِقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ناطِقٌ بِحَيَوانٍ، فَلا شَيْءَ مِنَ الإِنْسانِ بِحَيَوانٍ»؛ إِذْ مَعَ اعْتِبارِ قَيْدِ «مِنْ حَيْثُ هُوَ ناطِقٌ» يَكْذِبُ الصُّغْرَى، وَمَعَ حَذْفِهِ عَنْها يَكْذِبُ الكُبْرَى، وَإِنْ حُذِفَ مِنَ الصُّغْرَى وَأُثْبِتَ فِي الكُبْرَى يَلْزَمُ اخْتِلالُ هَيْئَةِ القِياسِ لِعَدَمِ الاشْتِراكِ. وَأَمّا الَّتِي مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَكَما يَكُونُ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ ناتِجَةٍ، وَجَمِيعُ ذٰلِكَ سُوءُ التَّأْلِيفِ، كَقَوْلِ القائِلِ: «الزَّمانُ مُحِيطٌ بِالحَوادِثِ، وَالفَلَكُ مُحِيطٌ بِها أَيْضًا»، يُنْتِجُ: «فَالزَّمانُ هُوَ الفَلَكُ»، وَهُوَ شَكْلٌ ثانٍ، وَقَدْ فاتَ فِيهِ شَرْطُ اخْتِلافِ المُقَدِّمَتَيْنِ إِيجابًا وَسَلْبًا؛ لِكَوْنِهِما مُوجَبَتَيْنِ هٰهُنا. وَالآنَ نَذْكُرُ بَعْضَ المُغالَطاتِ الَّتِي سَبَبُ وُقُوعِها فَسادُ الصُّورَةِ، فَنَقُولُ: مِنَ المُغالَطاتِ الصُّورِيَّةِ المُصادَرَةُ عَلَى المَطْلُوبِ، نَحْوُ: «زَيْدٌ إِنْسانٌ؛ لِأَنَّهُ بَشَرٌ، وَكُلُّ بَشَرٍ إِنْسانٌ». وَمِنْها أَخْذُ ما بِالعَرَضِ مَكانَ ما بِالذّاتِ، نَحْوُ: «الجالِسُ فِي السَّفِينَةِ مُتَحَرِّكٌ، وَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ لا يَثْبُتُ فِي مَوْضِعٍ واحِدٍ». وَمِنْها أَنْ لا يَتَكَرَّرَ الأَوْسَطُ بِتَمامِهِ، كَما يُقالُ: «الإِنْسانُ لَهُ شَعْرٌ، وَكُلُّ شَعْرٍ يَنْبُتُ»، يُنْتِجُ: «الإِنْسانُ يَنْبُتُ»؛ فَإِنَّ الأَوْسَطَ «لَهُ الشَّعْرُ»، وَلَمْ يُجْعَلْ بِتَمامِهِ مَوْضُوعَ الكُبْرَى. وَمِنْها أَنْ لا يَكُونَ الأَوْسَطُ مُتَشابِهًا فِي المُقَدِّمَتَيْنِ لِاخْتِلافِهِ بِالقُوَّةِ وَالفِعْلِ، نَحْوُ: «السّاكِتُ مُتَكَلِّمٌ، وَالمُتَكَلِّمُ لَيْسَ بِساكِتٍ»، يُنْتِجُ: «السّاكِتُ لَيْسَ بِساكِتٍ». وَمِنْها اخْتِلالُ التَّرْكِيبِ بِسَبَبِ شَكٍّ وَقَعَ بِأَنَّ القَيْدَ مِنَ المَوْضُوعِ أَوْ مِنَ المَحْمُولِ، كَقَوْلِهِمْ: «الإِنْسانُ وَحْدَهُ ضاحِكٌ، وَكُلُّ ضاحِكٍ حَيَوانٌ»، يُنْتِجُ: «الإِنْسانُ وَحْدَهُ حَيَوانٌ»؛ وَالغَلَطُ إِنَّما نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ لَفْظَ «وَحْدَهُ» جُزْءٌ مِنَ المَوْضُوعِ، وَلَوْ جُعِلَ جُزْءًا مِنَ المَحْمُولِ وَقِيلَ: «الإِنْسانُ هُوَ وَحْدَهُ ضاحِكٌ، وَكُلُّ ما هُوَ وَحْدَهُ ضاحِكٌ فَهُوَ حَيَوانٌ» لَصَدَقَتِ النَّتِيجَةُ؛ لِأَنَّها إِذْ ذاكَ «الإِنْسانُ حَيَوانٌ»؛ فَالغَلَطُ فِي هٰذا المِثالِ بِسَبَبِ سُوءِ اعْتِبارِ الحَمْلِ. وَمِنْها أَنْ لا يَكُونَ الأَكْبَرُ مَحْمُولًا عَلَى جَمِيعِ أَفْرادِ الأَوْسَطِ فِي الكُبْرَى، وَذٰلِكَ كَما تَقُولُ: «كُلُّ إِنْسانٍ حَيَوانٌ، وَالحَيَوانُ عامٌّ أَوْ جِنْسٌ أَوْ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِي الحَقِيقَةِ»، فَيُنْتِجُ: «كُلُّ إِنْسانٍ عامٌّ أَوْ جِنْسٌ أَوْ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِي الحَقِيقَةِ»، وَهُوَ باطِلٌ قَطْعًا، وَالسَّبَبُ فِي الغَلَطِ إِنَّما هُوَ إِهْمالُ كُلِّيَّةِ الكُبْرَى؛ إِذِ الكُبْرَى طَبِيعِيَّةٌ فَلا يَتَعَدَّى الحُكْمُ. وَمِنْها يَقَعُ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الرَّوابِطِ وَتَأَخُّرِها عَنِ السُّلُوبِ، وَكَذا تَقَدُّمِ الجِهَةِ عَلَى السُّلُوبِ وَتَأَخُّرِها عَنْها، نَحْوُ: «زَيْدٌ لَيْسَ هُوَ بِقائِمٍ» وَ«زَيْدٌ هُوَ لَيْسَ بِقائِمٍ»، وَ«بِالضَّرُورَةِ أَنْ لا يَكُونَ» وَ«لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ»، وَلا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ يَلْزَمُ أَنْ لا يَكُونَ، وَتَكَثُّرُ السُّلُوبِ مِنْ هٰذا البابِ؛ فَإِنَّ مَراتِبَ الشَّفْعِيَّةِ، كَسَلْبِ سَلْبٍ وَسَلْبِ سَلْبِ سَلْبِ سَلْبٍ، إِثْباتٌ، وَالوَتْرِيَّةَ، كَسَلْبِ سَلْبِ السَّلْبِ وَغَيْرِها، سَلْبٌ. وَمِنْها أَخْذُ الاعْتِباراتِ الذِّهْنِيَّةِ وَالمَحْمُولاتِ العَقْلِيَّةِ أُمُورًا عَيْنِيَّةً، كَما إِذا قِيلَ: «إِنَّ الإِنْسانَ كُلِّيٌّ»، فَيُظَنُّ أَنَّهُ فِي الأَعْيانِ كَذٰلِكَ، وَلَيْسَ هٰذا الظَّنُّ بِصَوابٍ؛ فَإِنَّ الكُلِّيَّةَ إِنَّما تَعْرِضُ الأَشْياءَ فِي الذِّهْنِ دُونَ الخارِجِ. وَمِنْ هٰذا التَّحْقِيقِ يَنْحَلُّ أُغْلُوطَةٌ أُخْرَى، تَقْرِيرُها أَنْ يُقالَ: «المُمْتَنِعُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُ إِنِ امْتَنَعَ شَيْءٌ فِي الخارِجِ لَكانَ امْتِناعُهُ حاصِلًا فِي الخارِجِ، فَيَكُونُ المُمْتَنِعُ مَوْجُودًا فِي الخارِجِ»، فَيَلْزَمُ وُجُودُ المُمْتَنِعِ، وَهُوَ باطِلٌ قَطْعًا. وَجْهُ الانْحِلالِ أَنَّ الامْتِناعَ اعْتِبارٌ ذِهْنِيٌّ، لا يَلْزَمُ مِنِ اتِّصافِ شَيْءٍ بِهِ وُجُودُهُ فِي الخارِجِ لِيَلْزَمَ وُجُودُ المُتَّصِفِ بِهِ فِي الخارِجِ. وَمِنْها أَخْذُ مِثالِ الشَّيْءِ مَكانَهُ، كَما تَقُولُ لِمِثالِ النّارِ: «إِنَّهُ نارٌ، وَكُلُّ نارٍ مُحْرِقٌ، فَهُوَ مُحْرِقٌ»؛ وَهٰذا الاشْتِباهُ هُوَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ المُنْكِرُونَ لِلوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، حَيْثُ قالُوا: لَوْ حَصَلَتِ الأَشْياءُ بِأَنْفُسِها لَزِمَ احْتِراقُ الذِّهْنِ عِنْدَ تَصَوُّرِ النّارِ، وَاخْتِراقُهُ عِنْدَ تَصَوُّرِ الجَبَلِ، وَاتِّصافُهُ بِالبَياضِ وَالسَّوادِ عِنْدَ تَصَوُّرِهِما، وَهٰكَذا. وَحَلُّهُ أَنَّهُ مِنْ بابِ أَخْذِ ما بِالعَرَضِ مَكانَ ما بِالذّاتِ؛ يَعْنِي أَنَّ الإِحْراقَ وَالخَرْقَ وَغَيْرَهُما مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَلْحَقُ الشَّيْءَ إِذا وُجِدَ بِوُجُودٍ أَصْلِيٍّ خارِجِيٍّ، وَلَيْسَتْ مِنَ العَوارِضِ لِلوُجُودِ الظِّلِّيِّ الذِّهْنِيِّ. وَمِنْها أَخْذُ جُزْءِ العِلَّةِ مَكانَ العِلَّةِ، كَما إِذا حَمَلَ سَبْعُونَ رَجُلًا حَجَرًا ثَقِيلًا سَبْعِينَ فَرْسَخًا مَثَلًا، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّ الواحِدَ مِنْهُمْ يَحْمِلُهُ فَرْسَخًا واحِدًا. وَمِنْها إِجْراءُ طَرِيقِ الأَوْلَوِيَّةِ عِنْدَ الاخْتِلافِ، كَما تَقُولُ: «الإِنْسانُ لَيْسَ بِأَوْلَى بِإِفاضَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مِنَ العُصْفُورِ بَعْدَما اشْتَرَكا فِي الحَيَوانِيَّةِ». وَمِنْها ما وَقَعَ مِنْ قِلَّةِ المُبالاةِ بِالحَيْثِيّاتِ وَتَرْكِ الاعْتِناءِ بِها، كَقَوْلِ القائِلِ: «كُلُّ أَبْيَضَ دَخَلَ فِي حَقِيقَتِهِ البَياضُ، وَزَيْدٌ أَبْيَضُ»، فَيَلْزَمُ دُخُولُ البَياضِ فِي حَقِيقَتِهِ؛ وَمَنْشَأُ الغَلَطِ فِيهِ أَنَّ البَياضَ فِي مَفْهُومِ الأَبْيَضِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَبْيَضُ، لا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ حَيَوانٌ وَإِنْسانٌ. وَمِنْها قَوْلُهُمْ: مُماثِلُ المُماثِلِ مُماثِلٌ، نَحْوُ: «الإِنْسانُ مُماثِلٌ لِلنَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَةُ مُماثِلَةٌ لِلحَجَرِ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ ذِي نَفْسٍ»، فَيَلْزَمُ كَوْنُ زَيْدٍ جَمادًا؛ وَوَجْهُ التَّغْلِيطِ فِيهِ أَنَّ مُماثَلَةَ النَّخْلَةِ لِلإِنْسانِ فِي أَمْرٍ، وَهُوَ الطُّولُ مَثَلًا، وَمُماثَلَتَها لِلحَجَرِ فِي شَيْءٍ آخَرَ. وَمِمّا يُوقِعُ فِي الغَلَطِ أَخْذُ العَدَمِ المُقابِلِ لِلمَلَكَةِ مَكانَ الضِّدِّ وَالنَّقِيضِ، كَالسُّكُونِ؛ فَإِنَّهُ عَدَمُ الحَرَكَةِ عَمّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَحَرَّكَ، وَكَالعَمَى؛ فَإِنَّهُ عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، فَيُظَنُّ أَنَّ الحَجَرَ ساكِنَةٌ وَالجِدارَ أَعْمَى. وَمِنَ المُغالَطاتِ المَشْهُورَةِ قَوْلُهُمْ: لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ ذٰلِكَ المَجْهُولَ إِذا حَصَلَ فَبِمَ يُعْرَفُ أَنَّهُ مَطْلُوبُكَ؟ فَلا بُدَّ مِنْ بَقاءِ الجَهْلِ، أَوْ وُجُودِ العِلْمِ قَبْلَهُ حَتَّى تَعْرِفَ أَنَّهُ هُوَ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ: أَمّا عَلَى الأَوَّلِ فَلِاسْتِحالَةِ مَعْرِفَتِهِ إِذا وُجِدَ، وَأَمّا عَلَى الثّانِي فَلِامْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ. وَالجَوابُ أَنَّ المَطْلُوبَ مَعْلُومٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَجْهُولٌ مِنْ وَجْهٍ، فَبَعْدَ حُصُولِ المَجْهُولِ يُعْلَمُ بِالوَجْهِ المَعْلُومِ المُخَصِّصِ أَنَّهُ المَطْلُوبُ، وَهٰذا كَمِثْلِ عَبْدٍ آبِقٍ إِذا وُجِدَ؛ فَإِنَّهُ كانَ مَعْلُومَ الذّاتِ مَجْهُولَ المَكانِ، فَبَعْدَما وُجِدَ عَرَفْتَ بِما كُنْتَ عارِفًا بِهِ مِنْ ذاتِهِ وَصُورَتِهِ أَنَّهُ آبِقُكَ.

· ص 55

الدَّرْسُ 24 · أُغْلُوطَةٌ

أُغْلُوطَةٌ

أُغْلُوطَةٌ

93

لَوْ لَمْ يَصْدُقْ قَضِيَّةٌ لَمْ يَصْدُقْ «زَيْدٌ قائِمٌ»، وَكُلَّما لَمْ يَصْدُقْ «زَيْدٌ قائِمٌ» صَدَقَ نَقِيضُهُ، أَعْنِي «زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ»، يُنْتِجُ: كُلَّما لَمْ يَصْدُقْ قَضِيَّةٌ صَدَقَ «زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ»، مَعَ أَنَّها قَضِيَّةٌ مِنَ القَضايا. وَالحَلُّ أَنَّ التَّقادِيرَ المَأْخُوذَةَ فِي الكُبْرَى، أَعْنِي قَوْلَكَ: «كُلَّما لَمْ يَصْدُقْ زَيْدٌ قائِمٌ صَدَقَ نَقِيضُهُ، أَعْنِي زَيْدٌ لَيْسَ بِقائِمٍ»، إِنْ كانَتْ واقِعِيَّةً فَصِدْقُها مُسَلَّمٌ، لٰكِنْ لا انْدِراجَ؛ إِذِ الحُكْمُ فِي الصُّغْرَى إِنَّما هُوَ عَلَى التَّقادِيرِ الفَرْضِيَّةِ الغَيْرِ الواقِعِيَّةِ ضَرُورَةَ أَنَّ عَدَمَ صِدْقِ قَضِيَّةٍ مِنَ القَضايا مِنَ المُمْتَنِعاتِ، ضَرُورَةَ أَنَّ قَوْلَنا: «الواجِبُ مَوْجُودٌ أَوْ سَمِيعٌ أَوْ بَصِيرٌ» واجِبُ الصِّدْقِ، فَيَكُونُ عَدَمُ صِدْقِها مُحالًا؛ وَإِنْ كانَتْ تَقادِيرُ الكُبْرَى أَعَمَّ مَنَعْنا الكُلِّيَّةَ؛ إِذْ كَذِبُ الشَّيْءِ إِنَّما يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ نَقِيضِهِ بِحَسَبِ الواقِعِ، فَإِنَّهُ جازَ عَلَى تَقْدِيرِ المُحالِ أَنْ يَكْذِبَ النَّقِيضانِ مَعًا؛ لِأَنَّ المُحالَ جازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَ مُحالًا آخَرَ. وَيَقْرُبُ مِنْ هٰذِهِ الأُغْلُوطَةِ المُغالَطَةُ العامَّةُ الوُرُودِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُثْبَتَ بِها أَيُّ مَطْلُوبٍ أَرَدْتَ، صادِقًا كانَ أَوْ كاذِبًا، فَنَقُولُ: المُدَّعَى ثابِتٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ المُدَّعَى ثابِتًا كانَ نَقِيضُهُ ثابِتًا، وَكُلَّما كانَ نَقِيضُهُ ثابِتًا كانَ شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ ثابِتًا، يُنْتِجُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ المُدَّعَى ثابِتًا كانَ شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ ثابِتًا، وَيَنْعَكِسُ بِعَكْسِ النَّقِيضِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ ثابِتًا كانَ المُدَّعَى ثابِتًا، مَعَ أَنَّهُ شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ، هٰذا خُلْفٌ. وَتَحَيَّرَ العُقَلاءُ فِي حَلِّهِ؛ فَمِنْ قائِلٍ يَقُولُ: إِنّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ تِلْكَ الشَّرْطِيَّةَ تَنْعَكِسُ بِهٰذا العَكْسِ إِلَى هٰذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، كَيْفَ وَالشَّيْئانِ فِي الأَصْلِ وَالعَكْسِ مُخْتَلِفانِ بِالعُمُومِ وَالخُصُوصِ، بَلْ عَكْسُ هٰذِهِ الشَّرْطِيَّةِ قَوْلُنا: «كُلَّما لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ الشَّيْءُ ثابِتًا كانَ المُدَّعَى ثابِتًا»، وَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ بِتَقْرِيرٍ آخَرَ: إِنَّ عَكْسَ تِلْكَ الشَّرْطِيَّةِ «لَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الأَشْياءِ ثابِتًا فِي ضِمْنِ نَقِيضِ المُدَّعَى كانَ المُدَّعَى ثابِتًا». وَمِنْ مُجِيبٍ يُجِيبُ بِأَنَّ المُقَدَّمَ فِي العَكْسِ مُحالٌ، وَالمُحالُ جازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَ نَقِيضَهُ. فَلا خُلْفَ. وَقَدْ وَقَعَ الإِطْنابُ فِي تَفْصِيلِ هٰذا البابِ؛ لِما أَنَّ الوَسائِلَ المُدَوَّنَةَ فِي هٰذا الفَنِّ الَّتِي جَرَتْ فِي زَمانِي هٰذا عادَةً قِراءَتُها خالِيَةٌ عَنْ تَفْصِيلِ بابِ المُغالَطَةِ، فَرَأَيْتُ أَنْ أُوَشِّحَ بِذِكْرِهِ رِسالَتِي هٰذِهِ؛ لِتَكُونَ نافِعَةً لِلمُتَعَلِّمِينَ، مُفِيدَةً لِلطّالِبِينَ.

· ص 60

فَصْلٌ

94

وَلا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ إِذا كانَ إِحْدَى مُقَدِّمَتَيِ القِياسِ غَيْرَ بُرْهانِيَّةٍ، بَلْ كانَتْ جَدَلِيَّةً أَوْ خَطابِيَّةً أَوْ شِعْرِيَّةً أَوْ غَيْرَها، كانَ القِياسُ أَيْضًا غَيْرَ بُرْهانِيٍّ، وَكَذا الكَلامُ فِي القِياسِ الجَدَلِيِّ وَنَظائِرِهِ. وَبِالجُمْلَةِ المُؤَلَّفُ مِنَ الرّاجِحِ وَالمَرْجُوحِ مَرْجُوحٌ. وَهٰهُنا قَدْ تَمَّ بَحْثُ الصِّناعاتِ الخَمْسِ، وَبِهِ تَمَّ مَقاصِدُ الفَنِّ بِنَوْعَيْهِ، أَعْنِي المُوصِلَ إِلَى التَّصَوُّرِ وَالمُوصِلَ إِلَى التَّصْدِيقِ.

· ص 62

الخاتِمَةُ (al-khātima)

الخاتِمَةُ

خاتِمَةٌ

95

لِكُلِّ عِلْمٍ ثَلاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُها المَوْضُوعُ، وَهُوَ ما يُبْحَثُ فِي العِلْمِ عَنْ عَوارِضِهِ اللّاحِقَةِ الذّاتِيَّةِ، كَبَدَنِ الإِنْسانِ لِعِلْمِ الطِّبِّ، وَالكَلِمَةِ وَالكَلامِ لِعِلْمِ النَّحْوِ، وَالمِقْدارِ المُتَّصِلِ لِعِلْمِ الهَنْدَسَةِ، وَالمَعْلُومِ التَّصَوُّرِيِّ وَالمَعْلُومِ التَّصْدِيقِيِّ لِصِناعَتِي هٰذِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لا يُبْحَثُ عَنْ وُجُودِ المَوْضُوعِ، وَلا يُبْحَثُ عَنْ ماهِيَّتِهِ فِي العِلْمِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ؛ فَلا يَبْحَثُ الطَّبِيبُ عَنْ بَدَنِ الإِنْسانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَوْجُودٌ، وَجِسْمٌ نامٍ، أَوْ حَيَوانٌ ناطِقٌ، وَلا النَّحْوِيُّ عَنْ حَقِيقَةِ الكَلِمَةِ وَالكَلامِ. وَمِنْ ثَمَّ لَمّا كانَ مَوْضُوعُ عِلْمِ الطَّبِيعِيِّ الجِسْمَ المُطْلَقَ، وَكانَ صاحِبُ هٰذا الفَنِّ يُورِدُ مَباحِثَ الهَيُولَى وَالصُّورَةِ فِي الطَّبِيعِيّاتِ، أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَنَّ الهَيُولَى وَالصُّورَةَ مِنْ أَجْزاءِ الجِسْمِ وَمُقَوِّماتِهِ، فَكَيْفَ يُورِدُ هٰذِهِ المَباحِثَ فِي الطَّبِيعِيّاتِ؟ وَاعْتُذِرَ مِنْ قِبَلِهِ أَنَّ هٰذِهِ المَباحِثَ اسْتِطْرادِيَّةٌ. وَثانِيها المَبادِي، وَالمَبادِي ما يُبْتَنَى عَلَيْهِ المَسائِلُ، وَهِيَ إِمّا تَصَوُّرِيَّةٌ، أَيْ حُدُودٌ تُورَدُ لِمَوْضُوعِ الصِّناعَةِ وَأَجْزائِهِ وَجُزْئِيّاتِهِ وَأَعْراضِهِ الذّاتِيَّةِ، أَوْ تَصْدِيقِيَّةٌ، وَهِيَ المُقَدِّماتُ الَّتِي تُؤَلَّفُ مِنْها قِياساتُهُ، إِمّا بَدِيهِيَّةٌ وَتُسَمَّى العُلُومَ المُتَعارَفَةَ، أَوْ غَيْرُ بَدِيهِيَّةٍ بَلْ نَظَرِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ: فَإِنْ كانَ التَّسْلِيمُ عَلَى سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ مِمَّنْ أَلْقاهُ إِلَيْهِ تُسَمَّى أُصُولًا مَوْضُوعَةً، وَإِنْ كانَ التَّسْلِيمُ مَعَ الاسْتِنْكارِ يُسَمَّى مُصادَرَةً. وَثالِثُها المَسائِلُ، وَهِيَ الَّتِي اشْتَمَلَ العِلْمُ عَلَيْها، وَيُحاوَلُ إِثْباتُها بِالدَّلِيلِ.

· ص 62

فَصْلٌ فِي الرُّؤُوسِ الثَّمانِيَةِ

96

اعْلَمْ أَنَّ القُدَماءَ كانُوا يَذْكُرُونَ فِي مَبادِي الكُتُبِ أَشْياءَ ثَمانِيَةً، وَيُسَمُّونَها الرُّؤُوسَ الثَّمانِيَةَ: أَحَدُها الغَرَضُ، أَعْنِي العِلَّةَ الغائِيَّةَ؛ لِئَلّا يَكُونَ النّاظِرُ عابِثًا. وَثانِيها المَنْفَعَةُ؛ لِيَتَسَهَّلَ عَلَيْهِ المَشَقَّةُ فِي تَحْصِيلِهِ. وَثالِثُها التَّسْمِيَةُ أَعْنِي عُنْوانَ العِلْمِ؛ لِيَكُونَ عِنْدَ النّاظِرِ إِجْمالُ ما يُفَصِّلُهُ الغَرَضُ. وَرابِعُها المُؤَلِّفُ؛ لِيَسْكُنَ قَلْبُ المُتَعَلِّمِ. وَخامِسُها أَنَّهُ فِي أَيِّ مَرْتَبَةٍ هُوَ؛ لِيُعْلَمَ عَلَى أَيِّ عِلْمٍ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ، وَعَنْ أَيِّ عِلْمٍ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ. وَسادِسُها أَنَّهُ مِنْ أَيِّ عِلْمٍ هُوَ؛ لِيُطْلَبَ ما يَلِيقُ بِهِ. وَسابِعُها القِسْمَةُ، وَهُوَ أَبْوابُ العِلْمِ وَالكِتابِ. وَثامِنُها أَنْحاءُ التَّعْلِيمِ، وَهِيَ التَّقْسِيمُ وَالتَّحْلِيلُ وَالتَّحْدِيدُ وَالبُرْهانُ؛ لِيُعْرَفَ أَنَّ الكِتابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى كُلِّها أَوْ بَعْضِها. أَقُولُ وَأَنا مُحَمَّد فَضْل إِمام الخَيْرآبادِيُّ: هٰذا آخِرُ ما أَرَدْنا جَمْعَهُ وَتَأْلِيفَهُ فِي هٰذِهِ الرِّسالَةِ مِنْ كُتُبِ الأَقْدَمِينَ وَكَلِماتِ المُتَأَخِّرِينَ، وَالغَرَضُ مِنْ هٰذا التَّأْلِيفِ لَيْسَ إِلّا تَعْلِيمَ المُبْتَدِئِينَ، وَتَسْهِيلَ الأَمْرِ عَلَى الطّالِبِينَ؛ فَإِنْ نَفَعَكَ أَيُّها الطّالِبُ الرّاغِبُ هٰذِهِ العُجالَةُ نَفْعًا يَسِيرًا فَلا تَنْسَنِي بِدُعاءِ حُسْنِ الخاتِمَةِ، وَالنَّجاةِ مِنَ الحاطِمَةِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، أَوَّلًا وَآخِرًا وَظاهِرًا وَباطِنًا، وَالحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمِينَ.

· ص 63

المُسْتَوَى الثّالِث: المِرْقاة

ادْرُسْهُ دَرْسًا دَرْسًا: المُسْتَوَى 2