قالَ: والكليُّ إما ذاتيٌّ وهو الذي يدخلُ تحت حقيقة جزئياتِهِ كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرسِ، وإما عرضيٌّ وهو الذي بخلافه كالضاحكِ بالنسبةِ إلى الإنسانِ
أَقُولُ: الكليُّ ينقسمُ إلى ذاتيٍّ وعرضيٍّ، لأنه إما أن يكون داخلاً تحت حقيقةِ جزئياتِه، أو لا يكونَ، فإن كان داخلاً تحت حقيقة جزيئاتِهِ فهو ذاتيٌّ كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، فإنه تمامُ حقيقةِ زيدٍ وعمروٍ وبكرٍ، والحيوانُ داخلٌ فيه لكونه مركباً من الحيوان والناطق، وكذا بالنسبة إلى الفرسِ، وإن لم يكن داخلاً في حقيقة جُزئياتِهِ، بل كان خارجاً عن تلك الحقيقة، فهو عرضيٌّ كالضاحكِ بالنسبة إلى الإنسان، فإنهُ عرضيٌّ لم يدخل في حقيقة زيد وعمرو وبكر التي هي الإنسانُ لِمَا مرَّ من أَنَّهُ مركبٌ من الحيوان والناطق فقط، فتعيَّنَ أنه خارجٌ عنه، وعلى هذا لا يكون نفسُ الماهيةِ ذاتيةً، بل تكونُ من العَرَضيات لأنها تخالفُ الذاتيَّ بذلك التفسيرِ، وكلُّ ما يخالفه فهو عرضيٌّ، وقد يقال: الذاتيُّ ما ليس بعرضيٍ أي ليس بخارجٍ، فحينئذ تكون نفسُ الماهية ذاتيةً لا يقال: إنَّ الذاتيَّ هو المنتسبُ إلى الذات، فلا يجوز أن تكون الماهيةُ ذاتيةً وإلا لزمَ انتسابُ الشيءِ إلى نفسهِ وهو مُحالٌ، لأنَّا نقول: هذه التسميةُ أي تسميةُ الماهيةِ ذاتيةً ليست بلغويةٍ حتى يلزمَ ذلك المحذورُ بل إنما هي اصطلاحيةٌ فلا يردُ ذلك.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 20
قالَ: والذاتيُّ: إما مقول في جواب ما هو بِحَسبِ الشَّركةِ المحضةِ كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس، وهو الجنسُ: ويُرسَمُ بأنَّهُ كليٌّ مقولٌ على كثيرينَ مختلفين بالحقائق في جواب ما هو قولاً ذاتيا، وإما مقولٌ في جواب ما هو بِحَسبِ الشركةِ والخصوصية معاً كالإنسان بالنسبة إلى عمرو وزيد، وهو النوعُ: ويُرسَمُ بأنه كليٌّ مقولٌ على كثيرينَ مختلفينَ بالعدد دون الحقيقة في جواب ما هو، وإمَّا غيرُ مقولٍ في جواب ما هو، بل هو مقولٌ في جواب أيِّ شيءٍ هو في ذاتهِ، وهو الذي يُميِّزُ الشيءَ عمَّا يُشارِكُهُ في الجنسِ كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، وهو الفصلُ: ويُرسَمُ بأنه كليٌّ يقالُ على الشيءِ في جواب أيِّ شيء هو في ذاته
أَقُولُ: هذا شروعٌ في بيان الكليات الخمس اعلم أَنَّ الذاتيَّ إما جنسٌ، أو نوعٌ، أو فصلٌ، لأنه إن كان مقولاً في جواب ما هو بِحَسبِ الشركةِ المحضةِ أي لا بالخصوصيةِ أصلاً، فهو الجنسُ كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس، فإنه إذا سُئِلَ عن الإنسانِ والفرس بما هما كان الجوابُ حيواناً عنهما، لأنه تمامُ ماهية مُشترَكة بينهما، وإن سُئلَ عن كلِّ واحد من الإنسان والفرس بالانفراد لم يصح أن يقعَ جواباً عن كلِّ واحدٍ منهما، لأنه ليس تمامَ ماهية كل واحد منهما، لأنك إذا أفردتَ الإنسان بالسؤالِ فتقولُ: الإنسانُ ما هو، فجوابُهُ: حيوانٌ ناطقٌ، لكونه تمام ماهيته، وكذا إذا أفردت الفرس بالسؤال فجوابه: الحيوانُ الصاهلُ، لكونه تمامِ ماهيته، ويُرسمُ: الجنسُ بأنه كليٌّ مقولٌ على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو قولاً ذاتياً، قوله كليٌّ: زائدٌ لا طائلَ تحته، وقوله مقولٌ: جنسٌ مُتناولٌ للجزئيات والكليات الخمس، وقوله على كثيرين: يُخرجُ الجزئياتِ كلَّها لما مَرَّ من أن الجزئيَّ إنما يقال على واحدٍ، وقوله مختلفين بالحقائق: يُخرجُ النوعَ لكونه مقولاً على كثيرينَ متفقينَ بالحقائقِ، وقوله في جواب ما هو: يُخرجُ الكلياتِ الباقيةَ، أعني الفصلَ والخاصَّةَ والعرضَ العامَّ، وإن كان الذاتيُّ مقولاً في جوابِ ما هو بِحَسبِ الشركةِ والخصوصيةِ معاً، فهو النَّوعُ كالإنسان بالنسبةِ إلى أفراده أعني زيداً، وعمراً، وبكراً وغير ذلك، لأنه إذا سُئِلَ عن زيدٍ، وعمرو، وبكرٍ، وغيرِهم بما هُمْ، كان الجوابُ إنساناً، لأنه تمامُ ماهيتهم المشتركة فيما بينهم، وإذا سُئلَ عن زيدٍ فقط كان الجواب الإنسان أيضاً، لأنه تمام ماهيته المختصَّةِ به.
فتعيَّنَ أنه أعني النوعَ ما يكون مقولاً في جواب ما هو بِحَسبِ الشركة والخصوصيةِ معاً، ويرسمُ: بأنه كليٌّ مقولٌ على كثيرينَ مختلفين بالعددِ دون الحقيقةِ في جواب ما هو، قوله كليٌّ: زائدٌ كما مَرَّ، وقوله مقولٌ: جنسٌ شاملٌ للكليِّ والجزئيِّ، وقوله على كثيرين: يُخرجُ الجزئيَّ، وقوله مختلفين بالعدد دون الحقيقةِ: يُخرجُ الجنس، لأن النوع إنما هو مقولٌ على كثيرينَ متفقينَ بالحقيقة ومختلفين بالعدد أي بعوارضَ وتشخُّصاتٍ، بخلاف الجنس فإنه مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق والعدد، وإنما قال: مختلفين بالعدد، لكون أفراده مختلفة بالعوارض والتشخصات، وقوله في جوابِ ما هو: يُخرجُ الثلاثةَ الباقية المذكورة، وإن كان الذاتيُّ غيرَ مقولٍ في جواب ما هو، بل هو مقولٌ في جواب أيُّ شيءٍ هو في ذاتهِ وهو أعني المقول في جوابِ أي شيء هو في ذاته الذي يُميِّزُ الشيء عما يُشاركه في الجنس كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، فهو الفصلُ، ولو قال في التعريف: أو في الوجود أيضاً لكان أشملَ ليُدخلَ فصولَ الماهيةِ المركبةِ من أمرين متساويين، أو أمورٍ متساوياتٍ، اللهمَّ إلا أن يُقالَ: اكتفى بالجنس بناءً على بطلانِ تركُّبِ الماهيةِ من أمرين متساويينِ أو أمورٍ متساوياتٍ. ولقائل أن يقولَ:
فعلى هذا كان اللازمُ عليه أن لا يذكرَ الجنس في تعريف الفصل، لأنه حينئذ لا طائلَ تحت ذكر الجنس في تعريف الفصل أصلاً، لأنه لا يُفيدُ شيئاً من الشُّمولِ والاحتراز، فكان ذكرُهُ لغواً، قلنا: ذكر الجنسَ ههنا ليدل على المقصود بالمطابقة.
ولذلك أوردَ لفظَ الجنس في التعريف، وذلك أعنى ما يميّزُ الشيءَ عمّا يُشارِكُهُ في الجنس كالناطق بالنسبة إلى الإنسان، فإنه يميّزُ الإنسانَ عمَّا يُشاركهُ في الجنس أعني الحيوان كالفرس والبغلِ والبقرِ وغيرها، لأَنَّهُ إذا سُئِلَ عن الإنسان بأيِّ شيء هو في ذاته كان الجوابُ أنه ناطقٌ، لأن السؤال بأيِّ شيءٍ هو في ذاته إنما يُطلَبُ به ما يُميّزُ الشيء عن غيره، وكلُّ ما يميّزُ الشيءَ عن غيره، يصلُحُ للجواب، فالنَّاطقُ يميّزُ الإنسانَ به عن غيره، فيصلحُ أن يكون جواباً، ويُرسمُ الفَصلُ: بأنه كليٌّ يُقال على الشيء في جواب أيِّ شيء هو في ذاته، قوله كليٌّ: مُستدرَكٌ.
وقوله يقال على الشيء: جنسٌ شاملٌ للكلياتِ الخمسِ، وقوله في جواب أيِّ شيء هو: يُخرِجُ النوعَ والجنسَ والعرضَ العام، أَمَّا الجنسُ والنَّوعُ فهو ظاهرٌ، لأنهما مقولان في جواب ما هو، لا في جواب أيِّ شيء، وأمَّا العرضُ العامُّ فلا يقال في الجواب أصلاً، وقوله هو في ذاته أي في جوهره: يُخرِجُ الخاصةَ، لأنها وإن كانت تميّزُ الشيء لكن لا في جوهرِهِ وذاتهِ بل في عرضهِ.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 21