A Mughal façade with a corner tower and a carved half-dome
Delhi

الرئيسية / al-Mirqāt

al-Mirqāt · article 8 of 8

المِرْقاة

آراءٌ فِي المِرْقاةِ وفِي المَنْطِقِ بِالهِنْد

أَثْنَى شُرّاحُ المِرْقاةِ عَلَيْها، ودُرِّسَتْ عَبْرَ الانْقِساماتِ فِي إِسْلامِ جَنُوبِ آسِيا، فِي حِينِ ظَلَّ مَكانُ المَنْطِقِ والفَلْسَفَةِ (المَعْقُولاتِ) فِي المَدْرَسَةِ مَوْضِعَ جِدالٍ مُنْذُ القَرْنِ الثّامِنَ عَشَرَ المِيلادِيّ. وتَجْمَعُ هٰذِهِ المَقالَةُ ما قالَهُ العُلَماءُ فِي الكِتابِ وفِي دِراسَةِ المَنْطِقِ فِي الهِنْد.

1الثَّناءُ عَلَى الكِتاب

أَقْدَمُ حُكْمٍ عَلَيْهِ لِحَفِيدِ المُؤَلِّفِ عَبْدِ الحَقِّ الخَيْرآبادِيّ، الَّذِي افْتَتَحَ شَرْحَهُ بِوَصْفِ المِرْقاةِ بِأَنَّها «رِسالَةٌ لَطِيفَةٌ، حَقِيقَةٌ بِأَنْ تُكْتَبَ بِالذَّهَبِ الذّائِبِ عَلَى أَلْواحِ قُلُوبِ أُولِي الأَلْباب». وهِيَ فِي «نُزْهَةِ الخَواطِر»، مُعْجَمِ تَراجِمِ عُلَماءِ الهِنْدِ لِعَبْدِ الحَيِّ الحَسَنِيّ، «مَتْنٌ مَتِين».

وذَكَرَ عَبْدُ الحَكِيمِ شَرَف القادِرِيّ أَسْبابَ تَحْشِيَتِهِ لَها: فَالكِتابُ «مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ ومَقْبُولٌ عِنْدَ الخَواصِّ والعَوامّ»، ويَحْوِي مَسائِلَ مُهِمَّةً بِأُسْلُوبٍ سَلِس، وهُوَ جُزْءٌ مِنْ مَنْهَجِ المَدارِسِ الإِسْلامِيَّة، ويُلَخِّصُ مَقاصِدَ الكُتُبِ الكَبِيرَة، و«مَرْضِيٌّ عِنْدَ كُلِّ مُخالِفٍ ومُوافِق»، حَتَّى «لا يُنْكِرُ فَوائِدَهُ أَحَد». وتُفَسِّرُ دِراسَةٌ أُرْدِيَّةٌ حَدِيثَةٌ (مَجَلَّةُ «القَمَر» Al-Qamar، 2023م) نَجاحَهُ بِتَصْمِيمِه: فَقَدْ كَتَبَهُ المُؤَلِّفُ مُراعِيًا قُدُراتِ المُبْتَدِئِين، قَصِيرًا وجامِعًا مَعًا.

2يُقْرَأُ عَبْرَ الانْقِسامات

كانَ الخَيْرآبادِيُّونَ مُنْغَمِسِينَ فِي المُنازَعاتِ الدِّينِيَّةِ فِي الهِنْدِ فِي القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ المِيلادِيّ. فَقَدْ وَضَعَ جِدالُ فَضْلِ حَقّ ضِدَّ الشّاهِ مُحَمَّد إِسْماعِيلَ صاحِبَهُ فِي مُواجَهَةِ الوَرَثَةِ الإِصْلاحِيِّينَ لِلشّاهِ وَلِيِّ اللّٰه، ويُلاحِظُ جَمال مالِك (Jamal Malik) أَنَّ العُلَماءَ البَرِيلَوِيِّينَ عَدُّوهُ فِيما بَعْدُ مِنْ أَسْلافِهِم، فِي حِينِ انْتَقَدَهُ كُتّابُ أَهْلِ الحَدِيث.

ومَعَ ذٰلِكَ عَبَرَ كِتابُ أَبِيهِ هٰذِهِ الحُدُود. فَيُلاحِظُ مالِك أَنَّ المِرْقاةَ «دُرِّسَتْ بِاسْتِحْسانٍ سِنِينَ طَوِيلَةً فِي دِيُوبَنْد»، وهِيَ لا تَزالُ مِنْ كُتُبِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فِي مَنْهَجِ دِيُوبَنْد. وهِيَ راسِخَةٌ كَذٰلِكَ فِي المَدارِسِ البَرِيلَوِيَّة: فَقَدْ كَتَبَ عَلَيْها عُلَماءُ بَرِيلَوِيُّونَ حاشِيَةً عَرَبِيَّةً حَدِيثَةً («المِرْضاة») ونَشَرُوا طَبْعَةً مُحَشّاة، وتَأْتِي الشُّرُوحُ الأُرْدِيَّةُ مِنَ الجانِبَيْن. والكِتابُ نَفْسُهُ لا يَنْحازُ إِلَى طَرَفٍ فِي المُنازَعاتِ الكَلامِيَّةِ فِي عَصْرِه؛ فَهُوَ كِتابٌ دِراسِيٌّ فِي ، ولَعَلَّ هٰذا ما يُفَسِّرُ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ اسْتَطاعا الإِبْقاءَ عَلَيْه.

A curved marble band of Arabic inscription between bands of geometric inlay

3رَأْيُ المُؤَلِّفِ نَفْسِهِ فِي المَنْطِق

تَبْدَأُ المِرْقاةُ بِلا دِفاعٍ عَنِ . فَهِيَ تُبَيِّنُ فَحَسْبُ أَنَّ إِمّا بَدِيهِيٌّ وإِمّا حاصِلٌ ، وأَنَّ النَّظَرَ قَدْ يُخْطِئ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ «الاخْتِلافِ بَيْنَ أَرْبابِ النَّظَر»، وأَنَّهُ لِذٰلِكَ يُحْتاجُ إِلَى قانُونٍ يَعْصِمُ الذِّهْنَ مِنَ الخَطَإ. والمَوْضِعُ الجَدَلِيُّ الوَحِيدُ مُوَجَّهٌ إِلَى مَناطِقَةٍ آخَرِين: «المُتَأَخِّرِينَ» الَّذِينَ صَرَفُوا، فِي رَأْيِ المُؤَلِّف، جُهْدًا كَبِيرًا فِي صُوَرِ الأَقْيِسَةِ وجُهْدًا قَلِيلًا فِي مادَّةِ الحُجَج.

وقَدَّمَ المُحَرِّرُونَ المُحْدَثُونَ الدِّفاعَ عَنْه. فَطَبْعَةُ كَراتْشِي (2015م) تَفْتَتِحُ بِالقَوْلِ المَنْسُوبِ إِلَى الغَزالِيّ: «مَنْ لا مَعْرِفَةَ لَهُ لا ثِقَةَ بِعِلْمِهِ أَصْلًا»، مَنْقُولًا مِنَ «الفَتاوَى الرَّضَوِيَّةِ» لِأَحْمَد رِضا خان. وتَحْتَجُّ مُقَدِّمَتُها بِأَنَّ المَنْطِقَ آلَةُ العُلُومِ كُلِّها، وأَنَّ الشُّرُوحَ عَلَى الحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وكُتُبَ الكَلامِ مَمْلُوءَةٌ بِمُصْطَلَحاتِه، وأَنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِتَحْرِيمِه، إِذْ سَمّاهُ الغَزالِيُّ «مِعْيارَ »، واسْتَعْمَلَهُ ابْنُ الهُمامِ فِي كِتابِهِ فِي أُصُولِ الفِقْه. وفِي الوَقْتِ نَفْسِه، نَقْلًا عَنْ شَرَف القادِرِيّ، تُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ المَنْطِقَ لَيْسَ إِلّا آلَة: فَالمَقاصِدُ العُلْيا هِيَ التَّفْسِيرُ والحَدِيثُ والفِقْهُ والكَلامُ والتَّصَوُّف، ومَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ كُلَّهُ فِي المَنْطِقِ «فَقَدْ وَقَفَ عَلَى القَنْطَرَةِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى المَقْصُود».

4العُلُومُ العَقْلِيَّةُ فِي الهِنْد: الجِدال

طالَما انْتُقِدَ ثِقَلُ والفَلْسَفَةِ فِي المَدارِسِ الهِنْدِيَّة. ويُلاحِظُ فْرانْسِيس رُوبِنْسُن (Francis Robinson) أَنَّ الدَّرْسَ النِّظامِيَّ يَدِينُ بِجُزْءٍ مِنْ رَواجِهِ لِعِنايَتِهِ بِالعُلُومِ العَقْلِيَّة. ويَكْتُبُ يُوغِنْدَر سِيكَنْد (Yoginder Sikand)، مُلَخِّصًا التَّوارِيخَ الأُرْدِيَّةَ لِلْمَدْرَسَة، أَنَّ الشّاهَ وَلِيَّ اللّٰهِ (ت. 1762م) أَصَرَّ عَلَى أَنْ تَكُونَ العُلُومُ النَّقْلِيَّةُ لُبَّ المَنْهَج، وعارَضَ ما رَآهُ إِفْراطًا فِي العِنايَةِ بِالفَلْسَفَةِ والمَنْطِقِ اليُونانِيَّيْن، دُونَ نَجاحٍ يُذْكَرُ فِي وَقْتِه.

ووَقَفَ الخَيْرآبادِيُّونَ عَلَى الجانِبِ الآخَر. فَيَصِفُهُمْ مالِك بِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ ومَذْهَبِ وَحْدَةِ الوُجُود، فِي تَوَتُّرٍ مَعَ مُصْلِحِي دِهْلِي. وكَثِيرًا ما كانَ نَقْدُهُمْ شَخْصِيًّا كَما كانَ عِلْمِيًّا: فَتَقُولُ «نُزْهَةُ الخَواطِرِ» إِنَّ فَضْلِ إِمامٍ «كانَ قَلِيلَ الخِبْرَةِ بِالفِقْهِ والحَدِيث»، وتَنْقُلُ حُكْمَ النَّوّابِ صِدِّيق حَسَن خان عَلَى فَضْلِ حَقّ بِأَنَّهُ، مَعَ كَوْنِهِ إِمامَ وَقْتِهِ فِي الفَلْسَفَة، كانَ قَلِيلَ الخِبْرَةِ بِـ«عُلُومِ السَّلَفِ وطَرِيقَتِهِمْ فِي الدِّين»، وتَرْوِي ازْدِراءَ عَبْدِ الحَقِّ الخَيْرآبادِيِّ لِأَكْثَرِ عُلَماءِ الهِنْدِ وكَلامَهُ القاسِيَ فِي الشّاهِ وَلِيِّ اللّٰه.

وبِحَسَبِ سِيكَنْد أَبْقَتْ مَدْرَسَةُ دِيُوبَنْدَ عَلَى البِنْيَةِ الأَساسِيَّةِ لِلدَّرْسِ النِّظامِيّ، لٰكِنَّها قَلَّلَتْ عَدَدَ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ لِصالِحِ الحَدِيثِ والفِقْهِ والتَّفْسِير. واحْتَجَّ شِبْلِي النُّعْمانِيّ، مُدِيرُ نَدْوَةِ العُلَماءِ الَّتِي أُسِّسَتْ فِي لَكْناو سَنَةَ 1892م، بِأَنَّ المُسْلِمِينَ الأَوائِلَ تَعَلَّمُوا مِنَ اليُونانِيِّينَ والإِيرانِيِّين، وبِأَنَّ العُلُومَ العَقْلِيَّةَ كانَتْ دائِمًا مُنْفَتِحَةً عَلَى التَّطَوُّراتِ الجَدِيدَة، وحاوَلَ إِدْخالَ الإِنْكِلِيزِيَّةِ والعُلُومِ الحَدِيثَةِ فِي المَنْهَج. ويُلاحِظُ أَسَد ق. أَحْمَد (Asad Q. Ahmed) أَنَّ الشَّرْحَ عَلَى كُتُبِ المَنْطِقِ انْتَقَلَ مُنْذُ أَواخِرِ القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ فِي الغالِبِ إِلَى دِيُوبَنْدَ وإِلَى الأُرْدِيَّة، مَكْتُوبًا لِلتَّوْزِيعِ الواسِعِ بَيْنَ الطُّلّابِ لا لِلْعُلَماءِ الآخَرِين.

5اليَوْم

كَثِيرًا ما يَذْكُرُ المُصْلِحُونَ المُحْدَثُونَ فِي الهِنْدِ وباكِسْتانَ والفَلْسَفَةَ «اليُونانِيَّيْنِ» مادَّةً يَنْبَغِي حَذْفُها مِنَ المَنْهَج، ويَذْكُرُ سِيكَنْد أَنَّ كَثِيرًا مِنَ المَدارِسِ قَلَّلَتْ عَدَدَ هٰذِهِ الكُتُبِ تَقْلِيلًا كَبِيرًا. ويُبْقِي مَنْهَجُ دِيُوبَنْدَ الحالِيُّ أَرْبَعَةَ كُتُبٍ فِي المَنْطِقِ فِي سَنَواتِهِ الأَرْبَعِ الأُولَى، مِنْها المِرْقاة.

وبَقاءُ المِرْقاةِ بَعْدَ هٰذِهِ التَّقْلِيصاتِ يَدُلُّ عَلَى مَكانِها فِي المَنْهَج. فَهِيَ الكِتابُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الطُّلّابُ، بِالعَرَبِيَّة، المُصْطَلَحاتِ الَّتِي سَيَلْقَوْنَها ثانِيَةً فِي شُرُوحِ الفِقْهِ والكَلامِ والتَّفْسِير: ، الخَمْس، وأَقْسامَ . ومِنْ أَحْدَثِ قُرّائِها طُلّابٌ خارِجَ جَنُوبِ آسِيا، صَدَرَتْ لَهُمْ تَرْجَمَةٌ إِنْكِلِيزِيَّةٌ سَنَةَ 2026م.

Sources (9)

  1. al-Mirqāt, with al-Ḥāshiya al-mufīda (Karachi: Maktabat al-Madīna, 2015), epigraph, introduction and notes
  2. ʿAbd al-Ḥayy al-Ḥasanī, Nuzhat al-khawāṭir: entries on Faḍl Imām, Faḍl Ḥaqq and ʿAbd al-Ḥaqq al-Khayrābādī (tarājim.com)
  3. Farooq Amir et al., ‘Khayrābādī khāndān kī ʿilmī o taṣnīfī khidmāt’ (Urdu), Al-Qamar 6/1 (2023), 290
  4. Jamal Malik, ‘Letters, prison sketches and autobiographical literature: the case of Fadl-e-Haqq Khairabadi in the Andaman Penal Colony’, IESHR 43/1 (2006)
  5. Francis Robinson, ‘Ottomans–Safavids–Mughals: Shared Knowledge and Connective Systems’
  6. Yoginder Sikand, ‘Reforming the Indian Madrassas: Contemporary Muslim Voices’, in Religious Radicalism and Security in South Asia (Honolulu: APCSS, 2004), ch. 6
  7. Asad Q. Ahmed, Palimpsests of Themselves: Logic and Commentary in Postclassical Muslim South Asia (University of California Press, 2022), 49
  8. Dār al-ʿUlūm Deoband, ‘8 Year Degree Course’ (syllabus)
  9. Al-Khayrabadi’s Ladder to Logic, tr. Musa Furber (Islamosaic, 2026)