النَّصّ فَضْلِ إِمامٍ الخَيْرآبادِيّ
فَصْلٌ
الثّالِثُ الفَصْلُ، وَهُوَ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى الشَّيْءِ فِي جَوابِ «أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذاتِهِ»، كَما إِذا سُئِلَ: «الإِنْسانُ بِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذاتِهِ؟» فَيُجابُ بِأَنَّهُ ناطِقٌ. وَهُوَ قِسْمانِ: قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ؛ فَالقَرِيبُ هُوَ المُمَيِّزُ عَنِ المُشارِكاتِ فِي الجِنْسِ القَرِيبِ، وَالبَعِيدُ هُوَ المُمَيِّزُ عَنِ المُشارِكاتِ فِي الجِنْسِ البَعِيدِ؛ فَالأَوَّلُ كَالنّاطِقِ لِلْإِنْسانِ، وَالثّانِي كَالحَسّاسِ لَهُ. وَلِلْفَصْلِ نِسْبَةٌ إِلَى النَّوْعِ فَيُسَمَّى مُقَوِّمًا؛ لِدُخُولِهِ فِي قِوامِ النَّوْعِ وَحَقِيقَتِهِ، وَنِسْبَةٌ إِلَى الجِنْسِ فَيُسَمَّى مُقَسِّمًا؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّمُ الجِنْسَ وَيُحَصِّلُ قِسْمًا لَهُ، كَالنّاطِقِ، فَهُوَ مُقَوِّمٌ لِلْإِنْسانِ؛ لِأَنَّ الإِنْسانَ هُوَ الحَيَوانُ النّاطِقُ، وَمُقَسِّمٌ لِلْحَيَوانِ؛ لِأَنَّ بِالنّاطِقِ حَصَلَ لِلْحَيَوانِ قِسْمانِ: أَحَدُهُما الحَيَوانُ النّاطِقُ، وَالآخَرُ الحَيَوانُ الغَيْرُ النّاطِقِ.
المِرْقاة · ص 19
فَصْلٌ
كُلُّ مُقَوِّمٍ لِلْعالِي مُقَوِّمٌ لِلسّافِلِ، كَالقابِلِ لِلْأَبْعادِ، فَإِنَّهُ مُقَوِّمٌ لِلْجِسْمِ، وَهُوَ مُقَوِّمٌ لِلْجِسْمِ النّامِي وَالحَيَوانِ وَالإِنْسانِ؛ وَكَالنّامِي، فَإِنَّهُ كَما أَنَّهُ مُقَوِّمٌ لِلْجِسْمِ النّامِي مُقَوِّمٌ لِلْحَيَوانِ وَمُقَوِّمٌ لِلْإِنْسانِ أَيْضًا؛ وَكَالحَسّاسِ وَالمُتَحَرِّكِ بِالإِرادَةِ، فَإِنَّهُما كَما أَنَّهُما مُقَوِّمانِ لِلْحَيَوانِ كَذٰلِكَ مُقَوِّمانِ لِلْإِنْسانِ. وَلَيْسَ كُلُّ مُقَوِّمٍ لِلسّافِلِ مُقَوِّمًا لِلْعالِي، فَإِنَّ النّاطِقَ مُقَوِّمٌ لِلْإِنْسانِ وَلَيْسَ مُقَوِّمًا لِلْحَيَوانِ.
المِرْقاة · ص 19
فَصْلٌ
كُلُّ فَصْلٍ مُقَسِّمٌ لِلسّافِلِ مُقَسِّمٌ لِلْعالِي، فَالنّاطِقُ كَما يُقَسِّمُ الحَيَوانَ إِلَى النّاطِقِ وَغَيْرِ النّاطِقِ كَذٰلِكَ يُقَسِّمُ الجِسْمَ المُطْلَقَ إِلَيْهِما. وَلَيْسَ كُلُّ مُقَسِّمٍ لِلْعالِي مُقَسِّمًا لِلسّافِلِ، فَإِنَّ الحَسّاسَ مَثَلًا يُقَسِّمُ الجِسْمَ النّامِيَ إِلَى الحَسّاسِ وَإِلَى الجِسْمِ النّامِي الغَيْرِ الحَسّاسِ، وَلَيْسَ يُقَسِّمُ الحَيَوانَ إِلَيْهِما؛ فَإِنَّ كُلَّ حَيَوانٍ حَسّاسٌ، وَلا يُوجَدُ حَيَوانٌ غَيْرُ حَسّاسٍ.
المِرْقاة · ص 19
فَصْلٌ
الكُلِّيُّ الرّابِعُ الخاصَّةُ، وَهُوَ كُلِّيٌّ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الأَفْرادِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَفْرادٍ واقِعَةٍ تَحْتَ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ فَقَطْ، كَالضّاحِكِ لِلْإِنْسانِ وَالكاتِبِ لَهُ.
المِرْقاة · ص 20
فَصْلٌ
الخامِسُ مِنَ الكُلِّيّاتِ العَرَضُ العامُّ، وَهُوَ الكُلِّيُّ الخارِجُ المَقُولُ عَلَى أَفْرادِ حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ وَعَلَى غَيْرِها، كَالماشِي المَحْمُولِ عَلَى أَفْرادِ الإِنْسانِ وَالفَرَسِ.
المِرْقاة · ص 20
فائِدَةٌ
وَإِذْ قَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا أَنَّ الكُلِّيّاتِ خَمْسٌ: الأَوَّلُ الجِنْسُ، وَالثّانِي النَّوْعُ، وَالثّالِثُ الفَصْلُ، وَالرّابِعُ الخاصَّةُ، وَالخامِسُ العَرَضُ العامُّ، فَاعْلَمْ أَنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ يُقالُ لَها الذّاتِيّاتُ، وَيُقالُ لِلْأَخِيرَيْنِ العَرَضِيّاتُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ اسْمُ الذّاتِيِّ بِالجِنْسِ وَالفَصْلِ فَقَطْ، وَلا يُطْلَقُ عَلَى النَّوْعِ بِهٰذا الإِطْلاقِ لَفْظُ الذّاتِيِّ.
المِرْقاة · ص 20
فَصْلٌ
العَرَضِيُّ، أَعْنِي الخاصَّةَ وَالعَرَضَ العامَّ، يَنْقَسِمُ إِلَى لازِمٍ وَمُفارِقٍ؛ فَاللّازِمُ ما يَمْتَنِعُ انْفِكاكُهُ عَنِ الشَّيْءِ، إِمّا بِالنَّظَرِ إِلَى الماهِيَّةِ، كَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ وَالفَرْدِيَّةِ لِلثَّلاثَةِ؛ فَإِنَّ انْفِكاكَ الزَّوْجِيَّةِ عَنِ الأَرْبَعَةِ وَالفَرْدِيَّةِ عَنِ الثَّلاثَةِ مُسْتَحِيلٌ؛ وَإِمّا بِالنَّظَرِ إِلَى الوُجُودِ، كَالسَّوادِ لِلْحَبَشِيِّ؛ فَإِنَّ انْفِكاكَ السَّوادِ عَنْ وُجُودِ الحَبَشِيِّ مُسْتَحِيلٌ لا عَنْ ماهِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ ماهِيَّتَهُ الإِنْسانُ، وَظاهِرٌ أَنَّ السَّوادَ لَيْسَ بِلازِمٍ لِلْإِنْسانِ. وَأَمّا العَرَضُ المُفارِقُ فَما لَمْ يَمْتَنِعِ انْفِكاكُهُ عَنِ المَلْزُومِ، كَالكِتابَةِ بِالفِعْلِ لِلْإِنْسانِ، وَالمَشْيِ بِالفِعْلِ لَهُ.
المِرْقاة · ص 20
فَصْلٌ
وَالعَرَضُ اللّازِمُ قِسْمانِ: الأَوَّلُ ما يَلْزَمُ تَصَوُّرُهُ مِنْ تَصَوُّرِ المَلْزُومِ، كَالبَصَرِ لِلْعَمَى؛ وَالثّانِي ما يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ المَلْزُومِ وَاللّازِمِ الجَزْمُ بِاللُّزُومِ، كَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ؛ فَإِنَّ مَنْ تَصَوَّرَ الأَرْبَعَةَ وَتَصَوَّرَ مَفْهُومَ الزَّوْجِيَّةِ يَجْزِمُ بَداهَةً أَنَّ الأَرْبَعَةَ زَوْجٌ وَمُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ.
المِرْقاة · ص 21
فَصْلٌ
العَرَضُ المُفارِقُ، أَعْنِي ما يُمْكِنُ انْفِكاكُهُ عَنِ المَعْرُوضِ، أَيْضًا قِسْمانِ: أَحَدُهُما ما يَدُومُ عُرُوضُهُ لِلْمَلْزُومِ، كَالحَرَكَةِ لِلْفَلَكِ؛ وَالثّانِي ما يَزُولُ عَنْهُ، إِمّا بِسُرْعَةٍ، كَحُمْرَةِ الخَجَلِ وَصُفْرَةِ الوَجَلِ، أَوْ بِبُطْءٍ، كَالشَّيْبِ وَالشَّبابِ.
المِرْقاة · ص 21