النَّصّ فَضْلِ إِمامٍ الخَيْرآبادِيّ
فصل
وإذْ قد فَرَغْنا عن مَباحِثِ القَضايا والعُكُوسِ الّتي كانَتْ مِن مَبادِئِ الحُجَّةِ، فحَرِيٌّ بنا أنْ نَتَكَلَّمَ في مَباحِثِ الحُجَّةِ؛ فنَقُولُ: الحُجَّةُ على ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها القِياسُ، وثانِيها الاسْتِقْراءُ، وثالِثُها التَّمْثِيلُ؛ فلْنُبَيِّنْ هذه الثَّلاثَةَ في ثَلاثَةِ فُصُولٍ.
المِرْقاة · ص 37
فصل في القياس
وهو قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِن قَضايا يَلْزَمُ عَنْها قَوْلٌ آخَرُ بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ القَضايا؛ فإنْ كانَ النَّتِيجَةُ أو نَقِيضُها مَذْكُورًا فيه يُسَمّى اسْتِثْنائِيًّا، كقَوْلِنا: «إنْ كانَ زَيْدٌ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا، لكِنَّهُ إنْسانٌ» يُنْتِجُ: «فهو حَيَوانٌ»، و«إنْ كانَ زَيْدٌ حِمارًا كانَ ناهِقًا، لكِنَّهُ لَيْسَ بناهِقٍ» يُنْتِجُ: «أنّه لَيْسَ بحِمارٍ». وإنْ لم تَكُنِ النَّتِيجَةُ ونَقِيضُها مَذْكُورًا يُسَمّى اقْتِرانِيًّا، كقَوْلِكَ: «زَيْدٌ إنْسانٌ، وكُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ» يُنْتِجُ: «زَيْدٌ حَيَوانٌ».
المِرْقاة · ص 37
فصل في القياس الاقتراني
وهو قِسْمانِ: حَمْلِيٌّ وشَرْطِيٌّ. ومَوْضُوعُ النَّتِيجَةِ في القِياسِ يُسَمّى أصْغَرَ لكَوْنِهِ أقَلَّ أفْرادًا في الأغْلَبِ، ومَحْمُولُهُ يُسَمّى أكْبَرَ لكَوْنِهِ أكْثَرَ أفْرادًا غالِبًا. والقَضِيَّةُ الّتي جُعِلَتْ جُزْءَ قِياسٍ تُسَمّى مُقَدِّمَةً، والمُقَدِّمَةُ الّتي فيها الأصْغَرُ تُسَمّى صُغْرى، والّتي فيها الأكْبَرُ كُبْرى، والجُزْءُ الّذي تَكَرَّرَ بَيْنَهُما يُسَمّى حَدًّا أوْسَطَ، واقْتِرانُ الصُّغْرى بالكُبْرى يُسَمّى قَرِينَةً وضَرْبًا، والهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِن كَيْفِيَّةِ وَضْعِ الأوْسَطِ عِنْدَ الأصْغَرِ والأكْبَرِ تُسَمّى شَكْلًا. والأشْكالُ أرْبَعَةٌ، وَجْهُ الضَّبْطِ أنْ يُقالَ: الحَدُّ الأوْسَطُ إمّا مَحْمُولُ الصُّغْرى ومَوْضُوعُ الكُبْرى، كما في قَوْلِنا: «العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ» يُنْتِجُ: «العالَمُ حادِثٌ»، فهو الشَّكْلُ الأوَّلُ؛ وإنْ كانَ مَحْمُولًا فيهما فهو الشَّكْلُ الثّانِي، كما تَقُولُ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، ولا شَيْءَ مِنَ الحَجَرِ بحَيَوانٍ»، فالنَّتِيجَةُ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ»؛ وإنْ كانَ مَوْضُوعًا فيهما فهو الشَّكْلُ الثّالِثُ، نحوُ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، وبَعْضُ الإنْسانِ كاتِبٌ» يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ كاتِبٌ»؛ وإنْ كانَ مَوْضُوعًا في الصُّغْرى ومَحْمُولًا في الكُبْرى فهو الشَّكْلُ الرّابِعُ، نحوُ قَوْلِنا: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، وبَعْضُ الكاتِبِ إنْسانٌ» يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ كاتِبٌ».
المِرْقاة · ص 37
فصل
وأشْرَفُ الأشْكالِ مِنَ الأرْبَعَةِ الشَّكْلُ الأوَّلُ، ولذلك كانَ إنْتاجُهُ بَيِّنًا بَدِيهِيًّا يَسْبِقُ الذِّهْنُ فيه إلى النَّتِيجَةِ سَبْقًا طَبْعِيًّا مِن دُونِ حاجَةٍ إلى فِكْرٍ وتَأَمُّلٍ. ولَهُ شَرائِطُ وضُرُوبٌ؛ أمّا الشَّرائِطُ فاثْنانِ: أحَدُهُما إيجابُ الصُّغْرى، وثانِيهِما كُلِّيَّةُ الكُبْرى؛ فإنْ يُفْقَدا مَعًا أو يُفْقَدْ أحَدُهُما لا يَلْزَمِ النَّتِيجَةُ، كما يَظْهَرُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ. وأمّا الضُّرُوبُ فأرْبَعَةٌ؛ لأنّ الاحْتِمالاتِ في كُلِّ شَكْلٍ سِتَّةَ عَشَرَ؛ لأنّ الصُّغْرى أرْبَعَةٌ والكُبْرى أيْضًا أرْبَعَةٌ، أعْنِي المُوجَبَةَ الكُلِّيَّةَ والمُوجَبَةَ الجُزْئِيَّةَ والسّالِبَةَ الكُلِّيَّةَ والجُزْئِيَّةَ، والأرْبَعَةُ في الأرْبَعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ. وأسْقَطَ شَرائِطُ الشَّكْلِ الأوَّلِ اثْنَيْ عَشَرَ، وهو الصُّغْرى السّالِبَةُ الكُلِّيَّةُ مَعَ الكُبْرَياتِ الأرْبَعِ، والصُّغْرى السّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ مَعَ تِلْكَ الأرْبَعِ، وهذه ثَمانِيَةٌ، والكُبْرى المُوجَبَةُ الجُزْئِيَّةُ والسّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ مَعَ الصُّغْرى المُوجَبَةِ الجُزْئِيَّةِ والكُلِّيَّةِ، وهذه أرْبَعَةٌ؛ فبَقِيَ أرْبَعَةُ ضُرُوبٍ مُنْتِجَةٍ. الضَّرْبُ الأوَّلُ مُرَكَّبٌ مِن مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ صُغْرى ومُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً، نحوُ: «كُلُّ ج ب، وكُلُّ ب د» يُنْتِجُ: «ج د». والضَّرْبُ الثّانِي مُؤَلَّفٌ مِن مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ صُغْرى وسالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ سالِبَةً كُلِّيَّةً، نحوُ: «كُلُّ إنْسانٍ حَيَوانٌ، ولا شَيْءَ مِنَ الحَيَوانِ بحَجَرٍ» يُنْتِجُ: «لا شَيْءَ مِنَ الإنْسانِ بحَجَرٍ». والضَّرْبُ الثّالِثُ مُلْتَئِمٌ مِن مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرى ومُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، والنَّتِيجَةُ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، نحوُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ فَرَسٌ، وكُلُّ فَرَسٍ صَهّالٌ» يُنْتِجُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ صَهّالٌ». والضَّرْبُ الرّابِعُ مُزْدَوِجٌ مِن مُوجَبَةٍ جُزْئِيَّةٍ صُغْرى وسالِبَةٍ كُلِّيَّةٍ كُبْرى، يُنْتِجُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً، كقَوْلِنا: «بَعْضُ الحَيَوانِ ناطِقٌ، ولا شَيْءَ مِنَ النّاطِقِ بناهِقٍ»، فالنَّتِيجَةُ: «بَعْضُ الحَيَوانِ لَيْسَ بناهِقٍ».
المِرْقاة · ص 38
تنبيه
إنْتاجُ المُوجَبَةِ الكُلِّيَّةِ مِن خَواصِّ الشَّكْلِ الأوَّلِ، كما أنّ الإنْتاجَ لِلنَّتائِجِ الأرْبَعَةِ أيْضًا مِن خَصائِصِهِ، والصُّغْرى المُمْكِنَةُ غَيْرُ مُنْتِجَةٍ في هذا الشَّكْلِ فَقَطْ. ووَضَحَ بما ذَكَرْنا أنّه لا بُدَّ في هذا الشَّكْلِ كَيْفًا إيجابُ الصُّغْرى، وكَمًّا كُلِّيَّةُ الكُبْرى، وجِهَةً فِعْلِيَّةُ الصُّغْرى.
المِرْقاة · ص 40