الشَّرْح حُسامُ الدِّينِ الكاتِي
قالَ: القياسُ: هو قولٌ مُؤلَّفٌ من أقوالٍ متى سُلِّمتْ لَزِمَ عنها لذاتِها قولٌ آخرُ.
أَقُولُ: المَطلَبُ الأعلى، والمَقصِدُ الأقصى من الاصطلاحاتِ المَنطقيَّةِ المذكورةِ:
القياس، ورسموه: بأنه قولٌ مؤلَّفٌ من أقوالٍ. متى سُلِّمتْ لَزِمَ عنها أي عن تلك الأقوالِ لذاتها قولٌ آخرُ كقولنا: العالَمُ مُتغيِّرٌ، وكلُّ متغيرٍ حادثٌ، فإنه مركَّبٌ من قولينِ إذا سُلِّمتا لَزِمَ عنهما لذاتها العالَمُ حادثٌ، والمرادُ من القولِ أعمُّ من أن يكونَ مَعقُولاً، أو ملفوظاً، والمرادُ من الأقوال ما فوقَ الواحد ليتناولَ القياسَ المؤلَّفَ من القولين، والقياسَ المؤلَّفَ من أقوالٍ فوقَ الاثنين، فالقولُ الواحدُ لا يُسمَّى قياساً وإن لَزِمَ عنه لذاته قولٌ آخرُ كعكسِ المُستوي وعكسِ النَّقيض، وقولُهُ: متى سُلِّمت يُشِيرُ إلى أن تلك الأقوالَ لا يلزمُ أن تكونَ مُسلَّمةً في نفسِها، بل يلزمُ أن تكونَ بحيثُ لو سُلِّمتْ لَزِمَ منها لذاتها قولٌ آخرُ، ليدخلَ في التَّعريف القياسُ الذي مُقدِّماتُهُ صادقةٌ، والذي مُقدِّماتُهُ كاذبةٌ كقولِنا: كلُّ إنسانٍ جَمادٌ، وكلُّ جمادٍ حمارٌ، فإنَّ هذينِ القولينِ وإن كَذِبَا في نفسِهما إلا أنَّهما بحيثُ لو سُلِّمتا لزم عنهما كلُّ إنسانٍ حمارٌ، وقولُهُ لزم عنها: احترزَ به عن الاستقراءِ والتمثيلِ، لأنهما وإن سلِّم مقدماتُهما، لكن لا يلزمُ عنهما شيءٌ آخرُ لإمكان التخلُّف في مدلوليهما عنهما، وقولُهُ لذاتها: يُحتَرزُ به عن القياس الذي يلزمُ عنه بعد التَّسليمِ قولٌ آخرُ لا لذاته، بل بواسطةِ مقدَمةٍ أجنبيةٍ كما في قياس المُساواة: وهو ما يتركَّبُ من قولين بحيث يكونُ مُتعلِّقُ محمولِ أولهما موضوعَ الآخر كقولنا أ مساوٍ لب، وب مساوٍ لج، فإنَّ هذين القولين يستلزمان أ مساوٍ لج، لكن لا لذاتهما، بل بواسطة مقدَمةٍ أجنبيةٍ، وهي أن كلَّ مُساوٍ لمساوي الشيء مُساوٍ لذلك الشيء، وإنَّما قال: من أقوال ولم يقلْ من مقدماتٍ، لِئلا يلزمَ الدور، لأنَّ المقدّمةَ قد عرفوها: بأنها ما جُعِلتْ جزءَ القياس، فأُخِذَ القياسُ في تعريفِها، ولو أُخِذَتْ هي أيضاً في تعريفِ القياس لزمَ الدور.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 60
قالَ: هو إمَّا اقترانيٌّ: مثلاً كلُّ جسمٍ مؤلفٌ، وكلُّ مؤلّفٍ مُحدَثٌ، ينتجُ: كلُّ جسمٍ مُحدَثٌ، وإمَّا استثنائيٌّ: كقولنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ لكنَّ الشمسَ طالعةٌ، فالنهارُ موجودٌ لكن النهارَ ليس بموجودٍ، فالشمسُ ليست بطالعةٍ.
أَقُولُ: القياسُ ينقسمُ إلى قسمينِ: اقترانيٍّ، واستثنائيٍّ، لأنه إذا لم يكن عينُ النتيجة، أو نقيضُها مذكوراً فيه بالفعل، فهو اقترانيٌّ كقولنا كلُّ جسمٍ مؤلفٌ وكلُّ مؤلِفٍ مُحدَثٌ، فكلُّ جسمٍ محدثٌ، وإن كان عينُ النَّتيجةِ أو نقيضُها مذكوراً فيه بالفعلِ، فهو استثنائيٌّ كقولنا إن كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ لكنَّ الشَّمسَ طالعةٌ، ينتج: فالنهارُ موجودٌ لكنَّ النهارَ ليس بموجودٍ، فالشمسُ ليست بطالعةٍ، وإنما سُمِّي الأولُ اقترانياً لكونِ الحدودِ فيه مُقترنةً غيرَ مُستثناةٍ، وإنما سُمِّي الثاني استثنائياً، لاشتماله على أداة الاستثناء، وهو "لكنَّ"، والمرادُ من كون عين النتيجةِ أو نقيضِها مذكوراً بالفعل في القياسِ: هو أن تكونَ طرفاها أو طرفا نقيضها مذكورينِ بالترتيب الذي في النتيجة.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 64
قالَ: والمُكَرَّرُ بينَ مُقدِّمتَي القياسِ فصاعداً يُسمَّى حدًّا أوسطَ، وموضوعُ المطلوب يُسمَّى حدًّا أصغرَ، ومحمولُ المطلوبِ يُسمَّى حدًّا أكبرَ، والمُقدِّمةُ التي فيها الأصغرُ تُسمَّى الصُّغرى، والتي فيها الأكبرُ تُسمَّى الكُبرى.
أَقُولُ: اعلمْ أنَّ المُشتركَ المُكرَّرَ بين مقدمةِ القياسِ فصاعداً يُسمَّى حدًّا أوسط، لتوسُّطه بين طرفي المطلوب سواء كان موضوعاً، أو محمولاً، أو مُقدَّماً، أو تالياً، وقد مَرَّ مثالُهما آنفاً، وموضوعُ المطلوبِ يُسمَّى حدًّا أصغرَ، لأنه أخصُّ في الأغلبِ، والأخصُّ أقلُّ أفراداً، فيكونُ أصغرَ، ومحمولُ المطلوبِ يُسمَّى حدًّا أكبرَ، لأنَّه أعمُّ في الأغلبِ، والأعمُّ أكثرُ أفراداً، فيكونُ أكبرَ، والمُقدِّمةُ من مُقدِّمات القياس التي فيها الأصغرُ تُسمَّى الصُّغرى، لاشتمالِها على الأصغرِ، فتكونُ ذاتَ الأصغر، وهذا ليس إلا معنى الصُّغرى، والمُقدِّمةُ التي فيها الأكبرُ تُسمَّى الكُبرى لاشتمالِها على الأكبر، فتكونُ ذاتَ الأكبر، وهذا ليس إلا معنى الكُبرى، واقترانُ الصُّغرى بالكُبرى في الإيجاب والسلب والكُلِّية والجُزئية يُسمَّى قرينةً وضَرباً، ولم يَذكر المُصنِّفُ هذا.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 65