الشَّرْح حُسامُ الدِّينِ الكاتِي
قالَ: التَّناقضُ: هو اختلافُ القضيَّتينِ بالإيجاب والسلب بحيثُ يقتضي لذاتِهِ أن تكونَ إحداهُما صادقةً، والأخرى كاذبةً كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، وزيدٌ ليس بكاتبٍ.
أَقُولُ: من الاصطلاحاتِ المَنطقيَّةِ المَذكورةِ التَّناقضُ:
وهو اختلافُ القضيَّتينِ بالإيجاب والسَّلب بحيث يقتضي لذاته أن تكونَ إحداهما صادقةً، والأخرى كاذبةً كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، وزيدٌ ليس بكاتبٍ، فإنَّ هاتينِ القضيتينِ اختلفَتَا بالإيجاب والسلب اختلافاً يقتضي لذاته أن تكونَ إحداهما صادقةً، والأخرى كاذبةً على حَسْبِ الواقع.
وقولُهُ اختلاف: جنسٌ شاملٌ للاختلاف الواقع بين قضيَّتينِ ومُفردينِ، ومفردٍ وقضيةٍ، وقوله قضيتين: يُخرِجُ الاختلافَ الواقعَ بين غيرِ قضيتين، وقوله بالإيجاب والسلب: يُخرِجُ الاختلافَ الواقع بالاتصال والانفصال، والاختلافَ بالكُليَّة والجُزئيَّة، والاختلافَ بالحصر والإهمال، والاختلافَ بالعُدول والتَّحصيل وغيرِ ذلك، وقوله بحيثُ يقتضي الخ: يُخرِجُ الاختلافَ بالإيجاب والسلب، لكنْ لا بحيث يقتضي صدقُ إحداهما كَذِبَ الأخرى نحو: زيدٌ ساكنٌ، وزيدٌ ليس بمُتحرِّكٍ، لأنهما صادقتان، وقوله لذاته: يُخرجُ الاختلافَ بالإيجاب والسلب بحيثُ يقتضي صدقُ إحداهما كذبَ الأخرى، لكن لا لذات ذلك الاختلاف نحو: زيدٌ إنسانٌ، وزيدٌ ليس بناطقٍ، فإن الاختلافَ بين هاتين القضيتين إنَّما يقتضى أن يكونَ إحداهما صادقةً، والأخرى كاذبةً، لكنْ لا لذاته بل بواسطةِ أنَّ قولَنا: زيدٌ ليس بناطقٍ في قُوَّةِ قولِنا: زيدٌ ليس بإنسان، أو لأنَّ قولَنا: زيدٌ إنسانٌ في قُوَّة قولِنا: زيدٌ ناطقٌ، فيكونُ ذلك بواسطةٍ لا لذاتِه.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 50
قالَ: ولا يَتحقَّقُ ذلك في المَخصُوصتينِ إلا بعدَ اتِّفاقِهما في الموضوع والمحمولِ والزمانِ والمكانِ والإضافة والقُوَّة والفِعلِ والجُزء والكُلِّ والشَّرط، ونقيضُ المُوجبةِ الكُليَّةِ إنَّما هي السالبةُ الجُزئيَّةُ كقولنا: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وبعضُ الإنسانِ ليس بحيوانٍ، ونقيضُ السَّالبةِ الكُليَّةِ إنما هي المُوجَبةُ الجُزئيَّةُ كقولِنا: لا شيءَ من الإنسانِ بحيوانٍ، وبعضُ الإنسانِ حيوانٌ.
أَقُولُ: القَضيتان اللَّتان بينهما يقعُ التَّناقضُ لا يَخلو من أن تكونا مَخصوصتينِ أو مَحصورتينِ أو مُهملتينِ، فإن كانتا مخصوصتين فلا يتحقَّقُ التَّناقضُ بينهما إلا بعد اتِّفاقِهما في ثماني وَحَداتٍ: الأُولى: وَحدة الموضوع، لأنهما لو اختلفتا في هذه الوحدةِ لم تتناقضا نحو: زيدٌ قائمٌ، وعمروٌ ليس بقائمٍ، والثانية: وَحدةُ المحمولِ، إذ لو اختلفتا فيها لم تتناقضا نحو: زيدٌ كاتبٌ، وزيدٌ ليس بشاعرٍ، والثالثةُ: وحدةُ الزمانِ، إذ لو اختلفتا فيها لم تتناقضا نحو زيدٌ قائمٌ ليلاً، وزيدٌ ليس بقائمٍ نهاراً، والرابعةُ: وَحدةُ المكان، لأنَّهما عند اختلافِهما فيها لم تتناقضا نحو: زيدٌ قائمٌ في الدار، وزيدٌ ليس بقائمٍ في السُّوقِ، والخامسةُ: وَحدةُ الإضافةِ، لأنهما لو اختلفتا فيها لم تتناقضا نحو: زيدٌ أبٌ لعمرو، وزيد ليس بأبٍ لبكرٍ، والسادسةُ: وَحدةُ القُوَّةِ والفعل، لأنهما لو اختلفتا فيها بأن تكون النِّسبةُ في إحداهما بالقُوَّة، وفي الأخرى بالفعل، لم تتناقضا نحو: الخَمْرُ في الدَّنِّ مُسكِرٌ أي بالقُوَّة، والخمرُ في الدَّنِّ ليس بمُسكرٍ أي بالفعل، والسابعةُ: وَحدةُ الكُلِّ والجُزءِ، لأنهما لو اختلفتا في الكُلِّ والجُزء لم يَتحقَّق التَّناقضُ نحو: الزنجيُّ أسودُ أي بعضُهُ، والزنجي ليس بأسودَ أي كُلِّهِ، والثامنةُ: وَحدةُ الشرطِ، لعدم تحقُّقِ التَّناقضِ بين القضيتين عند اختلاف الشَّرط كقولِنا: الجسمُ مُفرِّقٌ للبصرِ أي بشرط كونِهِ أبيضَ، والجسمُ ليس بمُفرِّقٍ للبصر أي بشرط كونِهِ أسودَ، وإذا عرفتَ هذا فنقولُ: إنَّ القضيتين إذا كانت إحداهما موجبةً كليةً ينبغي أن تكونَ الأُخرى سالبةً جزئيةً، وإذا كانت سالبةً كليةً ينبغي أن تكونَ الأُخرى موجبةً جزئيةً: فنقيضُ الموجبة الكلية إنما هي السالبةُ الجزئيةُ كقولنا: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وبعضُ الإنسانِ ليس بحيوانٍ، ونقيضُ السَّالبة الكلية إنما هي الموجبةُ الجزئيةُ كقولنا: لا شيءَ من الإنسانِ بحيوانٍ، وبعضُ الإنسانِ حيوانٌ، وبقيةُ هذا وكيفيتُهُ سيأتي في المحصورات، والحقُّ أنَّ إيرادَ المُصنِّفِ رحمه الله تعالى هذا أي قوله ونقيضُ الموجبة الكلية الخ ههُنا: ليس في موضعهِ، وإنما موضعُهُ بعدَ تحقيق المَحصورات.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 52
قالَ: المحصورتان: لا يَتحقَّقُ التَّناقضُ بينهما إلا بعدَ اختلافهما في الكُلِّيةِ والجُزئيَّةِ، لأنَّ الكُليَّتينِ قد تَكذبانِ كقولِنا: كلُّ إنسانٍ كاتبٌ، ولا شيءَ من الإنسانِ بكاتبٍ، والجُزئيَّتين قد تَصدُقان كقولنا: بعضُ الإنسانِ كاتبٌ، وبعضُ الإنسانِ ليس بكاتبٍ.
أَقُولُ: إن كانت القضيتانِ المتناقضتانِ محصورتينِ لا يتحقَّقُ التَّناقضُ بينهما إلا بعد اختلافِهما في الكُلِّية والجزئية، بأن تكون إحداهما كليةً، والأخرى جزئيةً، وهذا إنما يكونُ بعد اتِّفاقِهما في الوَحَدات المذكورة، ولو قيل بعد قوله في الكُلِّية والجُزئية قولهُ: أيضاً، لكانَ أولى، ليكونَ إشارةً إليه أعني بعدَ اتِّفاقِهما في الوَحدة المذكورة، وإنما قُلنا: إنَّهُ لم يتحقَّق التَّناقضُ في المحصورتين إلا بعد اختلافِهما في الكلية والجزئية، لأنَّ الكُلِّيتين قد تكذبان نحو: كلُّ إنسانٍ كاتبٌ، ولا شيء من الإنسان بكاتبٍ، والجُزئيتين قد تصدقان كقولنا: بعضُ الإنسانِ كاتبٌ، وبعضُ الإنسانِ ليس بكاتبٍ، فنقيضُ الكُليَّةِ الجُزئيةُ، لا الكُليةُ، وبالعكس أعني نقيضَ الجُزئية الكُلية لا الجُزئية، وإن كانتِ القضيتان مُهملتين فحكمُهما حكمُ المحصورتين، لأنَّ المُهملاتِ من المحصوراتِ في الحقيقة من حيثُ إنَّها في قُوَّةِ الجزئية.
شَرْحُ إِيساغُوجِي · ص 54